الشعب يريد إسقاط الدستور

يرى المدافعون عن التصويت بـ “نعم” أن رفض التعديلات الدستورية سوف يؤخر العملية الديمقراطية، ويجعلنا أمام خطر حكم العسكر إلى الأبد، وأن هذه التعديلات برغم عيوبها، فإن بها جوانب إيجابية أهمها تحديد فترة الرئاسية بأربع سنوات، ومدد الترشح باثنتين.

لكنه نظرًا لخطورة هذا الأمر، يجب علينا مناقشته بدقة وتفصيل حتى نصل إلى أقصر الطرق وأكثرها أمانًا لإيجاد نظام ديمقراطي حقيقي يستحقه هذا الشعب الذي ضحى بأبنائه من أجل الحرية.

أولا: في معظم بلدان العالم التي حدثت بها ثورات ديمقراطية، كان يتم وضع دستور جديد عن طريق جمعية تأسيسية يختارها الشعب بالانتخاب الحر المباشر. والحكمة هنا أن الشعب الذي قدم التضحيات وأسقط الدستور القديم المعيب بثورته، له كامل الحق في أن يحدد بشكل مباشر من الذي يجب أن يتحمل أمانة وضع الدستور الجديد الذي سوف يحكم الحياة السياسية للبلاد لأجيال طويلة قادمة.

والسؤال هو الذي سيحدث لو كانت نتيجة الاستفتاء هي نعم؟ المطروح في هذه الحالة أن يتم إجراء انتخابات لمجلس الشعب والشورى، ثم يقوم أعضاء المجلسين باختيار جمعية تضع الدستور الجديد، ثم يتم إجراء استفتاء عليه. لكننا يجب أن نضع في الاعتبار أنه لا يمكننا استبعاد أن مجلسي الشعب والشورى الجديدين في هذه الحالة سوف يكون بهما البعض (لا يمكن أن نعرف عددهم) من النواب الذين جاءوا بناء على العصبيات العائلية، ونواب الخدمات، ونواب الحزب الوطني السابقين، والنواب الذين نجحوا بالرشاوى الانتخابية، وهو ما يجعل من المخاطرة أن نضع في يد هذا البرلمان مسئولية اختيار من يضع الدستور.

من ناحية أخرى، إذا جاءت نتيجة الاستفتاء بـ “نعم” فسوف يتم إجراء انتخابات رئاسية. وهنا سوف يكون لدينا رئيس بصلاحيات مطلقة لفترة ليست قصيرة، لأن وضع الدستور في هذه الحالة ربما يستغرق عامًا أو نحو ذلك. ما الذي يضمن لنا في هذه الحالة أن الرئيس الجديد لن يستخدم صلاحياته المطلقة في هدم إنجازات الثورة؟ وهل يمكننا ضمان حدوث ثورة أخرى قريبًا في مواجهة ذلك؟

إذن البديل الأكثر ديمقراطية والأكثر اتفاقًا مع مصالح الشعب هو تشكيل جمعية تأسيسية (برلمان صغير من 100 فرد مثلاً)، تكون مهمتها وضع الدستور، ثم ينتهي عملها بعد ذلك، ويتم إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية بناء على الدستور الجديد. ومن المهم الإشارة إلى أن رجال الأعمال والفاسدين والأعضاء السابقين للحزب الوطني لن يرشحوا أنفسهم في مثل هذه الجمعية التأسيسية، لأنها سوف يتم حلها بعد وضع الدستور فورًا، ومن ثم لن يكسبوا منها شيئًا. كما أن هذه الانتخابات لن يكون بها مجال للاختيار على أساس العصبيات القبلية أو الخدمات التي يقدمها النائب للدائرة.

وحتى نتجنب حكم العسكر إذا قلنا “لا”، فإننا نطالب بتشكيل مجلس رئاسي أغلبيته من المدنيين (مثلا من خمسة أفراد أحدهم فقط عسكري) يقوم بإدارة عملية انتخاب الجمعية التأسيسية.

لذلك فأن التصويت بـ “لا” لن يعني العودة للعمل بالدستور القديم المعيب، بل ضمان وضع الدستور الجديد بأكثر السبل ديمقراطية وتحقيقًا لمصالح الشعب.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: