أهى عودة إلى زمن العناد؟

إبراهيم العيسوي

عنوان هذا المقال يحمل سؤالا مبعثه الحيرة الشديدة بشأن سلوك المجلس الأعلى للقوات المسلحة (لاحقا: المجلس العسكرى)، وما يبدو فى تصرفاته من إصرار على مواقف معينة يشتم فيها شىء قريب من عناد النظام السابق. والحيرة التى أنتجت سؤالى تأتى من أن المجلس العسكرى قد أعلن ــ ولم يزل يكرر الإعلان ــ عن اعترافه بشرعية مطالب ثورة يناير، وأكد ــ ولم يزل يعيد التأكيد ــ على سعيه لتحقيق هذه المطالب، بينما هو متمسك أشد التمسك بمنهج للتغيير تفصل بينه وبين روح الثورة وأهدافها الجوهرية مسافة لا يستهان بها. وهذا ما يثير الخوف فى نفوس الكثيرين، ويدفع البعض من أنصار الثورة لاتهام المجلس العسكرى بعدم الوفاء للثورة.

وبالرغم من المساعدة الحاسمة للجيش فى نجاح الثورة فى تحقيق أول هدف لها وهو إسقاط مبارك، وبالرغم من الخطوات الإيجابية المهمة والمتعددة التى اتخذها المجلس العسكرى منذ رحيل مبارك، فإنه مازال حتى الآن يبدى قدرا من التراخى فى الاستجابة لمطالب جوهرية للثورة، ولا تحتاج الكثير من الوقت لتحقيقها. ومن أهم هذه المطالب إطلاق الحريات العامة بإلغاء القوانين المعيقة لممارسة حقوق التنظيم والتظاهر والتجمع السلمى وتكوين الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدنى، وإصدار قرارات بقوانين تجيز ممارسة هذه الحقوق بمجرد الإخطار. كما أن ثمة عدم تجاوب مع مطلب حل الحزب الوطنى ومصادرة أمواله ومقاره، وحل بؤر الفساد المسماة بالمجالس المحلية الشعبية، وحل جهاز مباحث أمن الدولة، وتغيير المحافظين أذناب النظام السابق ومزورى انتخاباته، والإفراج عن باقى المعتقلين السياسيين، وما إلى ذلك من مطالب يتكرر ذكرها كل يوم.

يبدى المجلس العسكرى إصرارا غير مفهوم على رفض المطالب الخاصة بتنظيم الفترة الانتقالية وإعادة بناء النظام السياسى الجديد. ومن أبرز هذه المطالب التى باتت تحظى بشعبية كبيرة، تشكيل مجلس رئاسى مدنى أو مدنى ــ عسكرى لإدارة مرحلة الانتقال بدلا من انفراد المجلس العسكرى بهذا الأمر ــ وهو ما يثير القلق لدى كثير من الناس. ومنها تشكيل لجنة وطنية أو انتخاب جمعية تأسيسية لوضع دستور جديد، أو حتى إصدار إعلان دستورى يكون بمثابة دستور مؤقت يتبنى مبادئ الجمهورية الديمقراطية المنشودة، وذلك بدلا من التعديلات الدستورية التى لا تشكل تغييرا كبيرا فى دستور دولة الطغيان والاستبداد، وتجعلنا ندخل مرحلة جديدة مكبلة بقيود دستورية تنتمى إلى المرحلة القديمة.

ومنها تشكيل حكومة جديدة خالية من أعوان النظام السابق وتتكون من أصحاب الكفاءات المستقلين. وهو ما استجاب له المجلس يوم الخميس الماضى بتعيين الدكتور عصام شرف رئيسا لمجلس الوزراء، وذلك بعد مرور ثلاثة وعشرين يوما مع تشكيلات متعددة لوزارة أحمد شفيق التى رفضتها القوى الوطنية رفضا قاطعا منذ خلع مبارك، والتى أكد الحوار الطويل مع شفيق مساء الأربعاء الماضى على قناة «أون تى فى» عدم صلاحيته لهذا المنصب لعجزه عن استيعاب حدث الثورة، بل وعدم إدراكه للأبعاد السياسية لمهام الوزير أو رئيس مجلس الوزراء.

ويضاف إلى هذه المطالب رفض قوى الثورة إدخال البلاد فى دوامة استفتاء على التعديلات الدستورية المحدودة وثلاثة انتخابات (رئاسية وشورى وشعب) خلال أمد قصير، وتأكيدها على ضرورة توافر مهلة قد تصل إلى سنة أو أكثر لإتاحة الفرصة لعدد من الأمور.

منها إعادة تنظيم الحياة السياسية من خلال نشوء أحزاب جديدة (وهو ما بدأ فعلا)، وإعادة ترتيب الأحزاب القائمة لأوضاعها أو اختفاء البعض منها أو تكوين اندماجات أو تحالفات فيما بينها، فضلا على إتاحة الفرصة للتواصل بين الأحزاب والشعب.

ومنها إعادة تنظيم أوضاع النقابات والجمعيات الأهلية وما إليها، وتطهير المنظمات القائمة من إرث هيمنة الحكومة والحزب الوطنى وتدخلات الأمن فى شئونها، ونشوء منظمات جديدة فى إطار منهج تعددية التنظيمات. ومنها إنضاج المواقف بشأن طبيعة النظام الجمهورى المفضل (رئاسى ــ برلمانى ــ مختلط)، ويشأن مواصفات النظام الانتخابى الجديد (فردى ــ قائمة ــ مختلط)، وبشأن الإبقاء على الهيكل الثنائى للسلطة التشريعية أو الاكتفاء بمجلس نيابى واحد (ومن ثم إلغاء مجلس الشورى).

ومنها تحديث الجداول الانتخابية انطلاقا من قاعدة معلومات الرقم القومى حتى يتم التصويت ببطاقة الرقم القومى، والتأكد من توافر قوات شرطة كافية لتأمين العمليات الانتخابية، وتأسيس جهاز دائم لإدارة الانتخابات من الألف إلى الياء، والتثبت من توافر قضاة بالعدد الكافى وفى المواقيت المناسبة، وذلك لممارسة إشراف قضائى فعال على الانتخابات.

ومن الواضح من مجرد تعداد هذه المهام أنه لا يمكن إنجازها على نحو سليم فى فترة وجيزة. وقد نبه الكثيرون إلى المخاطر التى يمكن أن تلحق بالبلاد، وبالثورة ذاتها، إذا أصر المجلس العسكرى على خطته الرامية إلى الاكتفاء بالتعديلات الدستورية المحدودة، والاستفتاء عليها،ثم الدخول مباشرة فى انتخابين تشريعيين وانتخاب رئاسى.

إن المجلس العسكرى يتعجل إنهاء مسئوليته عن إدارة البلاد انطلاقا من «أن الأوضاع الراهنة لا تحتمل بقاء الأمور على ما هى عليه، وأنه لا ينبغى أن تظل القوات المسلحة تحت وطأة هذه الأوضاع. وأنه بمجرد أن يستعيد جهاز الشرطة لياقته فسوف تترك للشرطة مسئولية تحقيق الاستقرار والأمن فى شوارع مصر، وتتولى حكومة مدنية إدارة البلاد» (الشروق، عدد 3 مارس). وصحيح أن عبء إدارة البلاد هو عبء ثقيل. ولكن المجلس العسكرى هو الذى يصر على تحمل هذا العبء وحده، ويرفض تخفيف هذا العبء عن كاهله بإحالة مهمة إدارة شئون البلاد إلى مجلس رئاسى مدنى أو مجلس يتشارك فيه المدنيون والعسكريون.

كما أن المجلس يصر على مطلب عودة الهدوء والاستقرار والأمن، وإتاحة الفرصة للمجلس كى يكمل المشوار. ولا جدال فى سلامة هذا المطلب. ولكن المشكلة تكمن فى تصور المجلس لأسلوب تحقيقه. فالمجلس يرى أن السبيل لذلك هو وقف الاحتجاجات والتظاهر والكف عن التواجد فى ميدان التحرير، بدعوى أن هذا يعطل الحياة ويبعث على القلق لدى رجال الأعمال. والواقع أن اعتصام مئات من المواطنين فى الدائرة الداخلية (الصينية) لميدان التحرير لا يؤدى لاضطراب المرور ولا يعطل الحياة، وأن التظاهرات الكبيرة فى الميدان صارت مقصورة على يوم الجمعة الذى هو يوم عطلة رسمية،. ومع اقتناعى بأن الاعتصام لم تعد له ضرورة الآن، وبأن وتيرة التظاهرات يمكن أن تقل، وبخاصة بعد استجابة المجلس العسكرى لمطلب إزاحة حكومة شفيق، إلا أنه قد ظهر بوضوح أن إصرار الشعب على مطالبه وتجسيد هذا الإصرار فى تظاهرات ضخمة لا تخل بالأمن والاستقرار هو سبيل مهم لاستكمال مطالب الثورة، وأن الطريق إلى الاستقرار يتمثل فى الاستجابة السريعة من جانب المجلس العسكرى للمطالب الثورية، وليس مجرد تكراره الدعوة لفض الاعتصام ووقف التظاهر.

قد راعنى ما نشرته جريدة الأهرام صباح 2 مارس نقلا عن اجتماع المجلس العسكرى مع مجموعة من كبار رجال السياسة والقضاء والصحافة. فقد ذكر أن هذا الاجتماع قد شهد حوارا حول «وجود أقلية منحرفة (كما جاء فى ص 1) أو متحدثة (كما جاء فى ص 3) لا تعبر عن الأغلبية الصامتة التى يجب أن تتحرك لتدلى برأيها بكل وضوح حتى لا تترك الساحة للأقلية التى تريد أن تهيمن على البلاد». وإذا صح ما فهم ضمنا من أن هذه الدعوة قد صدرت عن المجلس العسكرى، فإننا نكون أمام وضع خطير، حيث أصبح ينظر إلى الثوار، أو حتى البعض منهم الذى أصر على الاعتصام بميدان التحرير، على أنهم قلة منحرفة أو زاعقة تريد أن تفرض هيمنتها على البلاد، وعلى أنهم يسيرون فى اتجاه معاكس لما تريده الأغلبية الصامتة، وحيث يتم تأليب قطاع من الشعب ضد قطاع آخر. ولو كان الأمر قد صور على هذا النحو من جانب المجلس العسكرى، فإن عليه أن يراجع نفسه، ويسأل: كيف تأتى أن تذهب مئات الألوف من المواطنين إلى ميدان التحرير يوم «جمعة الإصرار» للاحتفال برحيل حكومة شفيق، وتجديد الثقة فى المجلس العسكرى، وحثه على الاستجابة السريعة إلى باقى مطالب الثورة؟! ولو صح أن هذه الدعوة التحريضية ضد الثوار ــ كلهم أو بعضهم ــ لم تصدر عن المجلس العسكرى، فقد كان عليه أن يبادر بتصحيح ما نشرته الأهرام.

وأخيرا أقول للمجلس العسكرى أولا وللحكومة الجديدة ثانيا: أريحوا، تستريحوا. أريحوا الشعب بالاستجابة إلى باقى المطالب الثورية، وفى رأسها عدم التعجيل بالانتخابات فى ظل تعديلات دستورية محدودة لدستور أسقطته الثورة، وتكوين مجلس رئاسى يخفف عن القوات المسلحة عبء إدارة البلاد، وتشكيل لجنة أو جمعية وطنية لوضع دستور جديد يحرر البلاد من إرث الاستبداد والطغيان، ويتيح للشعب ممارسة ديمقراطية حقيقية يكون فيها مصدر السلطات فعلا، وإعادة هيكلة جهاز الشرطة والتفكير فى طرق غير تقليدية لاستتباب الأمن سريعا فى ربوع البلاد. وحينئذ سيمكنكم أن تستريحوا وتوجهوا جهودكم لمهامكم الأصلية التى تستهدف صيانة الأمن القومى وحماية البلاد من أى عدوان خارجى.

Advertisements

One Response

  1. واهم من يعتقد ان المجلس او الحكومة يمثلان الثورة ليست الثورة الا ايقونة غالب المتحدثين يقرظونها علنا ويذبحونها سرا/اما من قاموا بها فقد ركنوا للوعود وان لم ينتبهوا قبل فوات الاوان فقد ضاع كل ما عملوا من اجله/ليس عنادا وانما مصلحة طبقية!!

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: