رأي: حول إضراب الشرطة

محمد البعلي
تواصل الثورة المصرية انتصاراتها وتواصل إزاحتها لرموز نظام مبارك باقتلاع حكومة أحمد شفيق والتوجه السريع نحو حكومة جديدة تخلو من أعمدة النظام القديم، ويبدو أن الموجات الثورية العارمة في طريقها لاقتلاع كل “مبارك صغير” من رموز الفساد والقمع، فبعد أن هزت الثورة في أولى موجاتها العنيفة آلة القمع الرئيسية في يد النظام المتمثلة في جهاز الشرطة وقصمت ظهرة بصورة لم يعد من الممكن رجوع المستبدين والفاسدين الصغار من ضباط وامناء الشرطة بعدها دون توافق اجتماعي على حدود سلطتهم وطبيعة دورهم في المجتمع.
ومنذ الايام الأولى للثورة ظهر مصطلح “الغياب الأمني” حيث صدرت أوامر لرجال الشرطة بالانسحاب العمدي في محاولة لترك الشوارع نهبا للخوف والقلق، وهو أمر طبيعي فقد اعتادت نسبة كبيرة من المواطنين على مقايضة حقوقها السياسية بالأمن والاستقرار وبعض المكاسب الاقتصادية المحدودة مثل الدعم، ولكن رغم صدور قرارات عودة رجال الشرطة إلا أنهم لم يعودوا باغلبهم، وسط حالة إضراب -غير معلنة وغير رسمية- للضباط بشكل خاص تتمحور مطالبها (التي جمعتها من مصادر صحفية) في الاعتراف بكل من سقط قتيلا من رجال الشرطة خلال الثورة كـ”شهيد”، إعادة الاعتبار للضباط (السلطات المطلقة في مفهوم البعض ومجرد الاحترام لدى البعض)، ورفع الأجور، وقد استجابت الدولة وأجهزة الإعلام جزئيا للمطالب كافة، ولكن أول مطلبين لايكفي لتحقيقهما موافقة الدولة ولكنهما يتطلبان قبولا شعبيا، وهو ما لم يتحقق بدرجة كبيرة، وبالتالي استمر إضراب الشرطة المتمثل برفض عدد كبير منهم للعودة للعمل ورفض البعض الاخر لأداء مهامهم حتى (رفض الخروج للعمل خارج القسام وعدم التحرك تجاه السرقات أوأعمال البلطجة وفي حالات عديدة رفض حتى عمل محاضر)، وهو ماعرف إعلاميا بـ”الفراغ الأمني”.
وأثار هذا الإضراب/الفراغ قلق العديد من المواطنين خاصة في ظل انتشار الشائعات (قد يكون بعضها حقيقيا) عن تفشي أعمال البلطجة والخطف إلخ، دون تحرك من الشرطة، ووسط محاولات إعلامية لإلقاء اللوم على أي طرف ماعدا الشرطة ذاتها، وفيما يلي محاولة لمناقشة هذا الموضوع.

واقع ما قبل 25 يناير
ليس خافيا على أحد أن جهاز الشرطة في مصر (بشقيه الجنائي والسياسي) كان قد تضخم بصورة كبيرة في آخر عشر سنوات من حكم مبارك، وحصلت  الداخلية من نجاحها في الانتصار على الجماعات الإسلامية المسلحة على دعم سياسي غير محدود من حسني مبارك بوصفه رأس النظام لتتحول من جهاز لتنفيذ القانون فقط إلى جهاز فوق القانون، وانتشر الفساد بين أفرادها في كافة مجالات عملها، فكانت الرشوة طريقة معتادة للتعامل مع أمناء الشرطة في المرور وفي الأقسام، وأصبح الدخول في خلاف مع أي رجل شرطة -حتى على اولوية المرور في الشارع- يمثل مبررا لهم للتنكيل بأي شخص، ومع تزايد الحاجة لخدمات الشرطة السياسية في الانتخابات وغيرها، تزايد سكوت النظام السياسي عن “تجاوزاتهم” للقانون.
وأدى توجه عصابة مبارك إلى وضع أمن نظامها السياسي في مقدمة أولويات جهاز الدولة إلى وضع رقيب من مباحث أمن الدولة في كل ركن، فلا يمكن تعيين معيد في الجامعة او مدرس في مدرسة ابتدائية بالأرياف أو موظف في شركة بترول بدون موافقة من أمن الدولة تضمن عدم انتماؤه للمعارضه، كما أصبحت رقيبا على تأسيس دور النشر والصحف وعلى ماتنشره الأخيرة وما تذيعه قنوات التلفزيون الخاصة، هذا بالإضافة طبعا لتعاملها العنيف مع المعارضة السياسية والاستخدام الدائم للتعذيب -الذي وصل كثيرا إلى حد القتل- وانتهاك حرمة المنازل.
لقد ادت السلطات شبه المطلقة والحماية السياسية وضعف مرتبات أغلب الرتب الدنيا من رجال الشرطة إلى استشراء الفساد بشكل سرطاني وسط جهاز الشرطة
حتى أصبح من الممكن شراء اي نوع من أنواع خدمات الشرطة أو إبطال مفعولها بالمال، كانت شرطة تنفيذ الأحكام على سبيل المثال تغض الطرف عن من يدفع وتتظاهر بعدم وجوده، كما كان من المعتاد قيام بعض رجال الشرطة بفرض إتاوات على الباعة الجائلين وسائقي الميكروباص، هذا غير متاجرتهم في المضبوطات وخاصة من المخدرات، وكانت قضية مثيلة سببا مباشرا لعملية الاعتداء على الشهيد خالد سعيد وضربه حتى الموت الأمر الذي ساهم لاحقا في تفجير الثورة، حيث كان يقوم بنشر فيديو حول اقتسام “حرز” حشيش بين المخبرين والضباط.
أدى ذلك الوضع إلى خلق مستبد حقيقي داخل كل رجل شرطة أو”مبارك صغير” يمارس الفساد والاستبداد في دائرته، ما خلق حالة كراهية شعبية عميقة للداخلية بكافة أجهزتها وثارات شخصية عديدة بين المواطنين ورجال الشرطة، انفجرت خلال الثورة، فبعد محاولة الداخلية فض مظاهرات يوم الغضب ثم جمعة الغضب بالعنف كالعادة والعنف المفرط جدا تحولت هذه المظاهرات لاستهداف اجهزة الشرطة بهدف وقف العنف ثم تدمير آلته بأكملها عبر استهداف كل رموز وعربات ومقرات الداخلية وأخيرا بعد النصر عليها انتشرت حالات الانتقام، وبخاصة من رجال المباحث اللذين تورطوا بشدة في عمليات الفساد والتعذيب خلال السنوات الأخيرة من حكم مبارك.

محاولة العودة
بعد إسقاط مبارك ومحاولة الجيش إعادة الحياة “الطبيعية” للشوارع المصرية كانت مسألة عودة الشرطة للعمل ضمن الأولويات، ولكن أغلب الضباط كانوا بين مضربين وخائفين ورافضين للأوضاع الجديدة، حاولت الحكومة والداخلية والجيش استرضائهم برفع حوافزهم بنسبة 100% (وهو قرار مر على وسائل الاعلام بدون استنكار رغم كونه مطلبا “فئويا”)، ومحاولة تلميع صورتهم في الإعلام وفرض مصطلح “شهداء الشرطة”، ولكن ذلك لم يفلح، فأغلبهم يبدو انه لا يرضى سوى بعودة الوضع السابق بالكامل “سلطة مطلقة بدون محاسبة”، وتراكمت الاستقالات فوق مكتب وزير الداخلية واستمر المئات منهم يرفضون الذهاب لأعمالهم بدون أن تتخذ الداخلية اي إجراء تأديبي بحقهم فيما يواصل الالآف منهم الذهاب للقسام ومديريات الأمن بدون تأدية دورهم المفترض في عملية تأمين المجتمع فيما يعرف اصطلاحا بـ”الإضراب التباطؤي عن العمل”.
وكانت الأيام التي اختفى فيها رجال الشرطة وأخذت اللجان الشعبية فيها بزمام المبادرة في عملية فرض الأمن وتنظيم المرور في الشوارع سببا إضافيا للحنق ضدهم، فمن سهر ليال طويلة ليقوم بعملهم في البرد لم ينس لهم هروبهم بعد، كل ذلك انفجر بعد عودتهم في صورة عديدة -فردية أغلب الوقت- متمثلة في السخرية منهم والاستهانة بهم ووصلت للاعتداء البدني عليهم، وجماعية في بعض الأحيان، وفشلت الحملات الإعلامية المتوالية في وسائل الإعلام الحكومية والخاصة في تنفيس موجة الغضب الشعبي، كما استمر العديد من رجال الشرطة في نفس الممارسات الاستفزازية الخاصة بالمرحلة السابقة سواء منها التصريحات المعلنة مثل قول مدير أمن دمنهور السابق “احنا اسيادهم” او التصرفات العنيفة جدا مثل اطلاق النار في الشارع (خلال الأسبوع الماضي اطلق رجال الشرطة 3 مرات في 3 حالات ومواقع مختلفة على مواطنين فقتلوا اثنين واصابوا ثالث)، ما جعل تنفيس الغضب المتراكم صعبا إن لم يكن أضاف إليه.
ولكن ذلك لا يعني أن رجال الشرطة رفضوا العودة بنسبة 100% فقد عادت نسبة منهم لممارسة اعمالهم ولكن على الأغلب بمساعدة الأهالي وقوات الجيش وتحت حماية الأخيرة على الأغلب.

أفكار للنقاش
ترى نسبة كبيرة من المواطنين أن عودة الشرطة ضرورية لاستعادة الأعمال في الأسواق والأمان في الشوارع، ولكن الأغلبية ترفض عودتهم بنفس الطريقة القديمة، لذلك يجب أن نناقش إمكانية عودتهم ضمن هيكيلة جديدة وتوافق اجتماعي على دور جديد لهم.
تتطلب عودة الشرطة قبولا اجتماعيا ولن يتحقق ذلك على الأغلب سوى بإلغاء أسوأ أجهزتها سمعة وهي امن الدولة والأمن المركزي ورقابة شعبية على ادائها وتقسيما لإداراتها بما يمنع تركز قوة قمعية ضخمة تحت يد مسئول واحد.
كما تتطلب العودة إجراءات قوية بحق الضباط الممتنعين عن أداء عملهم وقبول استقالة كافة المتقدمين بها، وأيضا إنهاء خدمة كل من يثبت القضاء ارتكابه لجرائم التعذيب أو الفساد أو السرقة وغيرها من جرائم تروع الامنين مع التخريج الفوري لدفعتين من كلية الشرطة للدفع في الشوارع بوجوه جديدة ليس لديها المشكلات التي تولدت عن المواجهة مع الشعب خلال الثورة ولم تكوّن بعد عداءات وتخلق ثارات لدى المواطنين بحكم الممارسات المستفزة.
ورغم تعالى اصوات مستقلة قليلة، وحكومية كثيرة، للدفاع عن استمرار مباحث امن الدولة بحجة أن له دورا اضافيا غير دوره كبوليس سياسي للنظام يتمثل في محاربة الارهاب والتجسس، فإن وجوده سيخلق صعوبة في خلق اي ثقة بين المواطنين وجهاز الشرطة، فكل العاملين بمباحث أمن الدولة -تقريبا- متورطون في التعذيب سواء بايديهم أو بإعطاء الأوامر والتستر، كما أن العقيدة الأمنية التي تربى عليها العاملون تعادي الحريات العامة وتقدس السلطوية وترى في الأجهزة الأمنية وصيا على أفكار وتصرفات المواطنين في مواجهة أخطار متوهمة، كذلك فإن تركز عمل الجهاز في مجال الأمن السياسي خلال السنوات الماضية
جعل معظم خبرات اعضاؤه غير مفيدة أو مطلوبة في المرحلة الجديدة إضافة للصورة السيئة التي خلقتها عنهم لدى المواطنين، اخيرا فإن مكافحة التجسس في مصر يعد نشاطا حصريا للمخابرات ويمكن بالتالي تأسيس جهاز جديد بالكامل لمكافحة الارهاب أو ضم هذا الدور للمباحث العامة كما هو الحال في الولايات المتحدة.
وفيما يتعلق بالأمن المركزي فلم يعد مقبولا في القرن الحادي والعشرين ان نضع مليون جندي مخصصين لمواجهة التظاهرات والاعتصامات تحت إمرة شخص أو جهاز واحد، ولم يعد من المعقول أن تكون الخدمة الوطنية التي يؤديها هؤلاء الشباب -مجبرين- تتمثل في حماية النظام السياسي وقمع الشعب، فمن الأفضل إعادة هذه الأعداد لمجال تأدية خدمتهم الوطنية الحقيقة (خدمة المجتمع وحماية الحدود) أو إلغاء التجنيد الإجباري من اساسه، والبحث عن حوافز لحث الشباب على الالتحاق بالجيش والشرطة، ويمكن استبدال جهاز الأمن المركزي بمجموعات صغيرة من فرق مكافحة الشغب مع قصر عملها على الظروف المشددة ضمن ضوابط دستورية واضحة.
يجب أيضا ان نفكر جديا وبشكل جماعي في تقسيم جهاز الشرطة بشكل رأسي أوافقي أو كلاهما معا، فيمكن فصل إدارات شرطة المرور والسياحة إلخ وضمها إلى الوزرات المعنية مثل النقل والاثار إلخ، ويجب فصل الأحوال المدنية عن الشرطة وجعلها جهازا مستقلا او ضمه لوزارة مختصة، هذا عن التقسيم الراسي، أما عن الأفقي فيجب البحث في جعل كل مديرية امن تابعة للمحافظ الذي تعمل معه، ويمكن وقتها إلغاء وزارة الداخلية من اساسها.
كذلك فإن احد الوسائل المهمة لبناء الثقة في المواطنين والشرطة هي الرقابة الشعبية على اداء الشرطة، فكما حلت اللجان الشعبية مكان رجال الشرطة في حفظ الأمن فيمكن تكوين لجان شعبية تضم ممثلين منتخبين عن الأحياء تراقب الأقسام وتفتش عليها، ويمكن ضم فرد أو اكثر من السلطة القضائية لهذه اللجان لإعطائها سلطة أكبر، هذا الاقتراح للحقيقة سمعته في التلفزيون من رئيس الوزراء السابق احمد شفيق في آخر ظهور له قبل إقالته، كما يمكن تدعيم وتوسيع عدد من المبادرات القائمة مثل “المجموعة المدنية للرقابة على جهاز الشرطة”، وهي مجموعة تقول عن نفسها إنها “أمين مظالم مدني. ينصب تركيزنا في مجال فساد الشرطة وسوء المعاملة”، واتشجيع على قيام منظمات حقوق الانسان بدور في عمليات الرقابة الشعبية على أداء الشرطة.
النقطة الأخيرة في هذه المجموعة من الأفكار هي المحاسبة، ولا أقصد بذلك المحاسبة عن الجرائم التي ارتكبتها الشرطة بحق المواطنين خلال أيام الثورة فقط، وانما المحاسبة عن كل الجرائم التي ارتكبتها الشرطة خلال السنوات الماضية وخاصة جرائم التعذيب، ومعروف طبعا ان جرائم التعذيب لا تسقط بالتقادم في مصر، ويمكن الاستفادة هنا من تجارب الأمم الخرى مثل امريكا اللاتينية وحتى المغرب والتي شكلت لجنة باسم “لجنة الحقيقة والعدالة والمصالحة” والتي هدفت لطي صفحة الدكتاتورية وجرائمها السياسية، ويمكن استخدام هذه الخبرات في مصر مع توسيعها لمحاولة عقد مصالحات وتنظيم جلسات يطلب فيها المتهمون من رجال الشرطة الصفح من المواطنين الذين اسيئت معاملتهم أو تعرضوا للاهانة، مع استثناء المتورطين في العديد من الجرائم من رجال الشرطة ومن يثبت عليهم ارتكاب جريمة التعذيب بشكل متكرر، وبالطبع مع إنهاء خدمة كل من يثبت القضاء ارتكابهم لجرائم التعذيب أو الفساد أو غيرها من جرائم ترويع الآمنين.
إن فتح النقاش المجتمعي حول كيفية إعادة تأهيل جهاز الشرطة، مع اتخاذ اجراءات سريعة لتخريج دفعات جديدة من رجال الشرطة وإعادة تنظيم الجهاز بما يضمن القبول الاجتماعي به وتنظيم صلاحياته سيكون المدخل الحقيقي لإجبار الشرطة على ممارسة عملها الخدمي الحقيقي الذي تتقاضى من أجله رواتبها وهو حماية الضعفاء في المجتمع من تغول الأقوياء وتنفيذ القانون.

One Response

  1. كلام جميل ويريت يتنفذ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: