رأي حول قضية الاحتجاجات الفئوية

1000 مبارك صغير بحاجة إلى 1000 ثورة صغيرة

محمد البعلي


حققت الثورة المصرية أولى انتصاراتها الكبرى يوم 11 فبراير 2011 بالاطاحة برأس النظام القديم (محمد حسني مبارك)، وعمت حالة الفرحة وانتقلت الثورة من مرحلة إلى أخرى، مرحلة مقلقة ومحاطة بالمخاطر، تظللها المخاوف والأمل في غد أفضل.
وتعد ظاهرتا انتشار الاحتجاجات التي تسميها الصحافة “الفئوية”؛ وحالة الإضراب عن العمل التي تمارسها الشرطة (بشكل معلن أحيانا وخفي غالبا)، أهم الظواهر الملفتة للنظر والمثيرة للقلق والتي تستحق المناقشة.

الاحتجاجات “الفئوية”!
قاد شباب الطبقة الوسطى ثورة 25 يناير وشكلوا مع شباب الفئات الأكثر فقرا طليعتها وقوتها الضاربة وأغلب شهدائها فيما كانت الطبقة العاملة (وخاصة أفرادها الأكبر سنا) تتخذ موقفا يتأرجح بين التحفظ والرفض لمطالب إزاحة مبارك والاطاحة بنظامه، صحيح أن ميدان التحرير استطاع أن يجذب أفضل العناصر من شباب العمال وأغلب القيادات النقابية اليسارية، ولكنهم ظلوا رغم ذلك اقلية وسط طبقة خضعت بأغلبها لسطوة الخوف من المجهول وسيطرة الإعلام الحكومي.
مع بداية الأسبوع الثاني من فبراير كانت روح الثورة قد بدأت تتسرب إلى الطبقة العاملة وبدأت الاعتصامات والإضرابات توجه ضربات جديدة لنظام مترنح لم يلبث ان سقط لتنتشر هذه الروح في كل ركن من أركان المجتمع.
ولكن ماهي “روح الثورة” هذه؛ إنها ببساطة روح الاحتجاج والإيمان بالعمل الجماعي والقدرة على التنظيم الذاتي بعيدا عن الأوامر القادمة من “أي قيادات”، إنها روح التحرير التي نشرتها الثورة في أرجاء المجتمع، لقد أثبتت الثورة، وخاصة نجاحها، ان العمل الجماعي يمكن أن يؤدي إلى نتيجة ملموسة وان الصمود والثبات في المطالبة بالحقوق المشروعة يؤدي إلى تحققها، وأن الشعب يستطيع تنظيم نفسه بدون الحاجة لأوامر عليا، ظهر ذلك في ميدان التحرير وفي آلاف اللجان الشعبية في طول البلاد وعرضها، والأهم من ذلك كله هو المحصلة البسيطة التالية: إن الوقوف في وجه الظلم والطغيان يمكن أن يؤدي إلى ازالتهما.
من التحرير انطلقت الشرارة، وأسقط رأس النظام، ولكن مبارك لم يكن كل النظام، لقد وضع نظام مبارك على رأس كل مؤسسة “مبارك صغير” يمارس الفساد ويرعاه وينظم سوء توزيع الثروة، ويستعين بالأمن والقرارات التعسفية لقمع أي معارضة او مطالب مشروعة ويرفض احكام القضاء، وكان من الطبيعي أن يتحول نموذج الثورة الكبيرة “ثورة 25 يناير” إلى مرشد للحركة لجموع الشعب بعماله وفلاحيه ومدرسيه (وطلابه لاحقا) حول كيفية المطالبة بالحقوق وكيفية انتزاعها.
وقد نجحت العديد من الاحتجاجات في إزاحة رموز معروفة للفساد مثل المفوض العام لشركة غزل المحلة الذي أطاح به إضراب العمال، كما هددت مواقع كثيرين مثل رئيس البنك الأهلي المصري الذي استقال تحت ضغط مظاهرات الموظفين بالبنك ثم اعاده فاروق العقدة محافظ البنك المركزي (وهو متورط في قضية فساد معروفة باسم قضية “كابيكس كورب”) بعد قرار العقدة التخريبي المتمثل في إغلاق البنوك لفترة تصل إلى 6 ايام متوالية للضغط على المجتمع حماية لقيادات البنوك من أصدقاء رجال لجنة سياسات جمال مبارك.
صحيح أن اغلب المطالبات اقتصادية بالاساس، ولكن ذلك يعود إلى أن أغلب المظالم المنتشرة في المجتمع هي اقتصادية، وأن مستوى الوعي السياسي لدى أغلب العمال المصريين متدني للغاية، ومعظم يحصل على معلوماته عن الاحداث من برامج “التوك شو” (التي مازالت موجهه حتى الآن) ومن”أهرام الجمعة”.
ولكن حتى الاحتجاجات ذات الطابع الاقتصادي تساهم في هدم النظام القديم وبناء النظام الجديد، فجوهر النظام القديم هو الخوف والحل الفردي، كان عليك في ظل نظام مبارك أن تظل خائفا على مستقبلك وعلى عملك ومن الشرطة ومن الشبح المرعب “أمن الدولة”، وأن تبحث عن حل فردي دائما، فإذا كانت ظروفك المالية صعبة عليك أن تبحث عن عمل إضافي بدلا من أن تطالب بأجر عادل، وإذا أردت الترقي في عملك كان عليك أن تتقرب من مديرك لا أن تتقن عملك لان القواعد الوظيفية غالبا غير عادلة أو معطلة وتعطيهم سلطات واسعة، والاحتجاجات الاقتصادية تتحدى ذلك كله، فهي تتحدى الخوف بالعمل الجماعي، وتبث روح الثقة في قوة الشعب وتغير في وعي المشاركين فيها انفسهم، فهل تتصور أن يقول مشارك في اعتصام أوإضراب ناجح بأن المظاهرات “مبتحققشي حاجة” أو “مالهاش لازمة”، كما تبث في عقل كل مشارك فيها أن للناس دورا في تقرير حياتهم ومستقبلهم وهو المدخل الحقيقي للمشاركة السياسية.
إن نجاح أي احتجاج أو إضراب يضرب معول هدم في بناء النظام القديم؛ نظام الفرد الخائف الباحث عن الحل في الكواليس وفي مزيد من الخنوع والتنازل عن حقوقه وآدميته، ويضع نجاح الاحتجاج طوبة في بناء نظام جديد يقوم على احترام مبدأ العمل الجماعي ونفي الخوف من المجهول واستبدال الحلول الملتوية للمشاكل بمواجهة جذورها الحقيقية، ولكي نكون أكثر مباشرة، تخيلوا لو ان المدرسين نجحوا في رفع اجورهم واتجهوا بفعل انتمائهم لمكان علمهم الذي أصبح يقدم لهم ما يكفيهم ومجتمعهم الذي يحفظ آدميتهم إلى التركيز على أداء دورهم في مقرات عملهم الرئيسية (المدارس) بدلا من التركيز على الدروس الخصوصية.
سيكرر البعض طبعا ما سمعناه مرارا وتكرارا من أن الاضرابات والاعتصامات تهدد الاقتصاد الوطني وأن على العمال أن ينتظروا عدة اشهر حتى يأتي رئيس جديد أو نظام جديد ليحول الظلم إلى عدل بعصاه السحرية، وهو في الحقيقة يشبه قولا سمعته أثناء الاعتصام في التحرير من نوع “اصبروا على حسني الكام شهر اللي فاضلين”، كما أنه يأتي من نفس الصحف الحكومية التي لطالما عارضت الثورة وهاجمت الثوار وتأتي اليوم لتنصحهم وتحدد لهم ماهي الأفعال الثورية وماهي الأفعال المعادية للثورة!! إن مطالبة العمال بالقبول بالأوضاع الظالمة والصبر عليها هو بالضبط الخطاب المعادي للثورة الذي يدعو للإبقاء على كل أوضاع الفساد وسوء توزيع الثروة في انتظار مستقبل يتم صناعته في الغرف المغلقة وليس في الشوارع والمصانع والميادين، إنه خطاب يدعو لحماية كل “مبارك صغير” في مركزه ليغذي جيش الثورة المضادة بكل ماأوتي من قوة، أم علينا أن نصدق أنهم سيبقون جالسين في مواقعهم بانتظار حكومة رشيدة تأتي بعد عام لتنحيهم بكل هدوء.
إن بقاء كل “مبارك صغير” في موقعه ليوم غضافي يعني أنه سيحاول اخفاء معالم جرائمه أولا، ثم سيقوم بحشد المال والرجال لدعم محاولات زعزعة استقرار البناء الجديد ومحاولة الدخول عنوة للمجالس النيابية التي سيجري انتخابها والتأثير على وسائل الإعلام لمصلحة النظام القديم ورجاله، وليست مواقف أحمد شفيق ضد عدد من مقدمي البرامج التلفزيونية ببعيدة عن هذا النموذج فما هو سوى “مبارك صغير” يسعى بكل قوته لخنق أي صوت نصف أو ربع حر لصالح أبواق النظام والمدافعين عن القتلة.
كما أن حجة الاقتصاد الوطني غير دقيقة من زاوية اقتصادية بحتة، ففقدان بعض ايام عمل في إضراب أو اعتصام أمر بسيط مقابل الربح المتمثل في مئات الأيام التي سيعمل فيها العمال والموظفون وسط شعور بالانتماء للمؤسسة والمجتمع ككل الذي يعملون فيه ضمن منظومة حقوق مصانة وأوضاع آدمية، ولمن يعتقد بصعوبة تحقق ذلك، اقول له انظر إلى آلاف الشباب الذي قاموا ويقومون بحملات تنظيف وتنظيم للشوارع دافعهم الوحيد لها هو الاحساس بأن “البلد بقت بلدنا” أو قوة الانتماء للوطن.
كما أن مكاسب قص أجنحة الفساد وإقامة رقابة عمالية على الإدارات ستخفض من فاتورة الخسائر التي تسربت بالمليارات من الشركات والمؤسسات (الحكومية منها بخاصة) إلى جيوب الفاسدين ورجال النظام القديم.
إن المرحلة الحالية من الثورة يجب أن تشمل العمل على محوريين؛ الأول: ضرب النظام القديم على رأسه عبر المظاهرات المليونية المستمر المطالبة باقتلاع بقايا حكومة مبارك وتفكيك الأجهزة القمعية عبر حل أمن الدولة وإلغاء الأمن المركزي وإقرار نظام دستور ديموقراطي والإعداد لانتخابات حرة، والثاني: تقطيع أوصاله عبر اقتلاع كل “مبارك صغير” في كل موقع ومؤسسة واقتلاع روح الخوف والفردية وبث روح العمل الجماعي وتعديل كل وضع ينتقص من آدمية المواطنين أو يجبرهم على الاستمرار في الحياة تحت خط الفقر.

Advertisements

One Response

  1. اتفق مع الكاتب فى كل كلمه لكن الاهم هو ان اعبر عن اعجابى الشديد بقدرته على توصيل الافكار بشكل واضح، مباشر، مفهوم لكل من يستطيع القراءة. الخطاب السياسى كما يجب ان يكون.
    تحية واحترام

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: