مجلس الشيوخ الفرنسي يقر قانون إصلاح المعاشات مبدئيا رغم تصاعد احتجاجات النقابات العمالية في فرنسا

الحكومة حاولت تمرير القانون بسرعة، حتى تنتهي حالة الغضب

إصرار النقابات على مواصلة الاحتجاج ضد القانون حتى بعد إقراره

تعاطف الشارع الفرنسي مع العمال مع مشاركة طلابية واسعة

كتبت: عزة خليل

حل الأزمة الاقتصادية على حساب العمال

أقر مجلس الشيوخ الفرنسي القانون المقدم من الحكومة اليمينية حول إصلاح المعاشات بصورة مبدئية. وحيث أقرته الجمعية العامة من قبل، فسوف يصبح قانونا خلال الشهر الحالي في حالة إقرار المجلس له بصورة نهائية يوم الأربعاء. ويتضمن الإصلاح الجديد رفع سن المعاش من 60 إلى 62 عاما، بما يعني حرمان العمال من المعاش المستحق لهم خلال سنتين، وزيادة الفترة التي تخصم فيها الاشتراكات من أجورهم أيضا. ويدخل هذا الإجراء في سياق سياسات التقشف التي تتبعها الدول الأوربية في مواجهة الأزمة المالية التي انعكست عليها من أمريكا. ويأتي تحرك الشارع الفرنسي ضمن سلسلة من الاحتجاجات على هذه السياسات في أوربا، كان آخرها بشكل متزامن في عدد من المدن الأوربية منذ أسابيع، وأشهرها وأوسعها الاحتجاجات التي حدثت في اليونان العام الماضي.

وقال رئيس النسخة العربية من لوموند دبلوماتيك أن تذمر الشارع الفرنسي لا يقف فقط عند حدود الإصلاحات الاقتصادية مثل باقي العواصم الأوربية، بل يصاحبه في فرنسا غضب متراكم نتيجة لسياسات حكومة اليمين والرئيس ساركوزي الخاطئة. وكان من ضمن الأشياء التي أثارت الغضب طريقة الحكومة في تمرير القانون، فضلا عن تصريحات عنصرية سابقة لساركوزي. كما أجج غضب الطبقة العاملة، أن يتم تحميل فاتورة تكلفة الإصلاح الاقتصادي عليهم، حيث تسعى الحكومة إلى تدبير المال اللازم من المعاشات المستحقة لهم، في حين أنها تسارع إلى إنقاذ المصارف والبنوك بأموال الدولة. ويشعر العمال أن إقرار القانون سيكون خطوة أولى للانقضاض على المكاسب الاجتماعية التي تشمل الأجازات الطويلة والعقود التي تقيد قدرة أصحاب العمل على تسريح العمال، ونظام الرعاية الصحية المدعوم من الدولة.

موقف موحد للنقابات العمالية ضد القانون

ومن المعروف ان لكل نقابة في فرنسا لونها السياسي نيتجة لاقتراب كل منها بدرجات مختلفة مع أحد الاتجاهات والأحزاب السياسية القائمة. وقد تباينت وجهات نظرها ومواقفها من مسألة كيفية توفير التمويل اللازم لإصلاح نظام المعاشات. بدءا من التسليم بزيادة الاستقطاع من الأجور أو فرض ضرائب على العلاوات التشجيعية للعمال، إلى رفض التمويل من أي موارد تمس اجور العمال، واقتراح ان يتم التمويل من تخصيص نسبة من الناتج المحلي لصندوق التقاعد، أو زيادة الضرائب على عوائد رأس المال، والبنوك، وفوائد شراء وبيع الأسهم في البورصة، أو زيادة مساهمة أصحاب الأعمال في المعاشات، وحرمان اصحاب العمل من اعانات الدولة إذا لم يستخدموا عمالة جديدة. ولكن الجدير بالذكر أنه برغم الخلافات حول مصدر التمويل إلا أن النقابات جميعها مجمعة على رفض القانون الجديد، وسحبه من مجلس الشيوخ،  ومطالبة الحكومة بفتح باب الحوار والاستشارة مع النقابات واتحادها حول الإصلاح.

شكل الاحتجاج

طورت النقابات تكتيكاتها في الاحتجاج. وكان من بين الأشكال التي استخدمتها الدعوة إلى المظاهرات والحشود الضخمة التي انتشرت في عدد من المدن في كل انحاء فرنسا، وكان رابعها يوم 19 أكتوبر الموافق الثلاثاء الماضي، واتسم ذلك اليوم بمشاركة طلابية واسعة، والحجم الكبير للحشود، إذ تراوح تقدير عدد المحتجين ما بين مليون وثلاثة ملايين ونصف المليون. كما تميز أيضا بالطابع الكرنفالي إذ استخدمت الأعلام والطبول والمشاعل والترانيم والملابس الملفتة للنظر. وشارك سائقي شاحنات النقل في الاحتجاج بإتباع ما أطلق عليه “سياسة السلحفاة”، وذلك بإبطاء سرعة الحافلات سعيا إلى سد طرق المواصلات، مما أدى إلى اختناق حركة المرور فيما بين المدن.

كما استخدم للضغط وسائل رئيسية تمثلت في وقف العمل في كل محطات تكرير البترول الإثنى عشر، التي شملها الإضراب، وفرض حصار على بعض مستودعات الوقود، مما أصاب قطاعات اقتصادية مخلتفة بالشلل.  كما أدى إضراب نقابات السكك الحديد، إلى جانب “سياسة السلحفاة” التي اتبعها سائقي الشاحنات في الطرق الموصلة بين الأقاليم، وإغلاق المتظاهرون خطوط القطارات والطرق السريعة بسياراتهم، إلى اضطراب وشلل حركة المواصلات والنقل. كما لجأ  مئات من عمال محطات التكرير المضربين إلى قطع الطريق المؤدي لمطار مرسيليا، فتعطلت حركة الطيران به.

مشاركة الطلاب وتعاطف الشارع

وحول مدى تعاطف الشارع في فرنسا مع الحركة، أظهر استطلاع للرأي أجرته جريدة يسارية فرنسية أن 60% من الفرنسيين مؤيدين لاستمرار الإضرابات النقابية حتى ترجع الحكومة في قانون الإصلاح المقدم. ويتمنى 79% أن يستأنف ساركوزي الحوار مع النقابات. ويرجع البعض ارتفاع نسبة التعاطف مع المضربين إلى النفور من سياسة ساركوزي.

كما تجاوزت الحركة حدودها كصراع بين النقابات والحكومة، مع المشاركة الكثيفة للتلاميذ و الطلبة في المظاهرات مما أعطاها  بعدا آخرا. واتضح التجاوب الشديد للطلبة يوم الثلاثاء 19 أكتوبر، إذ اخذ هذا اليوم طابعا طلابيا، إذ تجمعوا في الحي اللاتيني، في ظل أجواء احتفالية. وقدر أن عدد الطلاب المشاركين في باريس يومها تراوح مابين 4 ألاف و15 ألف وفقا لاختلاف المصادر، وتأثرت 312 مدرسة ثانوية بالإضافة إلى عشر جامعات من أصل 83.

كيف واجهت الدولة الاحتجاجات

أعلنت الدولة سياسة العنف بوضوح من البداية. إذ أعلن رئيس الوزراء إنه سوف يتخذ الإجراءات الكفيلة بمنع الحصار الذي يفرض على البلاد. ونفذت التهديدات حيث بلغ عدد المعتقلين يوم 19 أكتوبر 245 شخصا ليصل الاجمالي إلى 2000 من بداية الاحتجاجات. و صرح الاتحاد العام للعمال أن الشرطة أنهت حصارا لمحطة تكرير تابعة لشركة توتال بالقرب من باريس بالقوة. وتدخلت أيضا لفك الحصار عن مطار مرسيليا. كما لجأت الدولة إلى استدعاء بعض العاملين بالقوة لفتح 3 معامل، واعتبرت النقابات هذا تعديا على الحق الدستوري في الإضراب عن العمل. ورغم ذلك كانت الاحتجاجات في مجملها سلمية، باستثناء أعمال عنف متفرقة في ليون وضاحية نانتير. وهناك بدأ العنف من صدام الشرطة مع المحتجين، حيث استخدمت الغاز المسيل للدموع، وبدت شوارع التسوق فارغة.

ولجأ وزير الداخلية إلى التعميم في اتهامه لجميع المحتجين بممارسة العنف، وعلى نحو خاص إلى سكان الضواحي من اللاجئين والفقراء، الذين  لديهم ثأرا مع ساركوزي. كما أصدر ساركوزي تصريحات ضد الاحتجاجات اتهمها فيها بأنها تحول الفرنسيين والاقتصاد الفرنسي إلى رهائن،  وعلى هذا رفض التراجع والدعوة التي اطلقتها النقابات إلى التفاوض حول خطة إصلاحية جديدة. وحاولت الحكومة التعجيل بإقرار القانون نهاية الأسبوع الماضي، على أمل أن تؤدي عطلة عيد كل القديسين إلى انصراف المحتجين بصورة تدريجية.

نتائج  الاحتجاجات

إلى جانب الأزمة التي حدثت في المواصلات، صرح وزير الصناعة بأن ربع محطات الوقود عانت من العجز، بسبب حصار المستودعات. ويذكر أن عدد محطات الوقود التي أغلقت وصل إلى ما بين 3 و 4 الاف محطة. ونتيحة لحصار ميناء مرسيليا الذي يعد أكبر ميناء في البلاد وقفت 51 ناقلة عاجزة عن الرسو. وحققت شركات الطيران خسائرا بسبب خفض المطارات لعدد رحلات الطائرات، إذ أعلنت شركة اير فرانس ان الإضرابات تكلفها خمسة ملايين يورو (6.96 ملايين دولار) يوميا. وأعلنت الشركة الوطنية الفرنسية للسكة الحديد – خسائر يومية بوقع 20 مليون يوروو (نحو 27 مليون دولار). وإلى جانب هذا، أعلن مدير اتحاد الصناعة الكيميائية الفرنسية أن الخسائر وصلت إلى مليار يورو 1,38 مليار دولار بواقع 100 مليون دولار يوميا. وأخيرا قامت الدولة باستيراد كمية هائلة من الطاقة الكهربية، لسد عجز طاقة الناتج عن تراجع الإنتاج بسبب الإضراب وتوقف المفاعات النووية، بما يكلف الاقتصاد عبئا استثنائيا. وذكر أن رجال الأعمال قلقون من ضرب الاحتجاجات للاقتصاد الذي يواجه صعوبة التعافي من الأزمة أصلا. في حين حملت النقابات الحكومة مسئولية نتائج الاحتجاج نتيجة لموقفها المتصلب.

وأصرت الحكومة على القانون رغم هذه الخسائر والتصاعد المستمر في الاحتجاجات. ولجأت إلى الإسراع في تمريره متوقعة انتهاء الاحتجاجات على أثر ذلك. فطلبت من مجلس الشيوخ تصويت بدورة واحدة لتسريع النقاشات. واجتمع زعماء النقابات للاتفاق على خطوتهم التالية في مواجهة ذلك. ووجهوا دعوة ليومين جديدين من الاحتجاج الأسبوع الحالي في حالة إقرار القانون، حيث سيتم التوقف عن العمل والانطلاق إلى الشوارع. وفي النهاية أقر القانون في القراءة الأولية يوم الجمعة الماضي،  على أن تتم مناقشته لإقراره نهائيا يوم الأربعاء المقبل.

وبصرف النظر عن وقت انتهاء الحركة الاحتجاجية، إلا إنها قد تركت أثارها على الشارع الفرنسي ونضال حركة الطبقة العاملة في فرنسا، وأوربا والعالم، بما لا يقل كثيرا عن تحقيقها لهدفها وهو عدم إقرار القانون في مجلس الشيوخ. فقد كانت حركة منظمة تؤكد على إمكانية وضرورة الوقوف ضد حل أزمة الرأسمالية على حساب العمال والفقراء، واتت بتكتيكات جديدة ومؤثرة في الوقت نفسه، ومثلت توسعا في سلسلة الاحتجاجات التي تتم في مدن أوربا بين حين وآخر. وفي النهاية، فعلى اقل تقدير سوف يكون لهذه الحركة انعكاسها السلبي بالتأكيد على ساركوزي وحكومته في الانتخابات الرئاسية القريبة في عام 2012.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: