عمال الصين يتمردون على “مص دمائهم”

موجة إضرابات تجتاح الصين … والحكومة تضطر إلى رفع الحد الأدنى للأجور

كتبت: دينا جميل

“كله باتنين جنيه ونص”، نداء يردده الباعة ولافتة ترفعها المحلات، سلع كثيرة وعديدة يتعجب المرء ويتساءل كيف تباع بمثل هذا الثمن الزهيد؟

وإجابة السؤال دائماً ما تكون “أصلها صيني”، هذه هي كلمة السر التي تفسر الأسعار المنخفضة لكن دون أن يسأل أحد كيف؟

أما السر في رخص أسعار هذه السلع فهو أن هناك من يدفع ثمنها نيابة عنا وهم عمال الصين، الذين يتقاضون أجوراً زهيدة، ويعملون في ظروف لا تختلف كثيرًا عن ظروف عمل العبيد، ليحقق أصحاب المصانع أرباحاً هائلة على حسابهم.

ولكن يبدو أن نداء بـ2.5 في طريقه للاختفاء لأن العمال الصينيين قرروا أخيراً التمرد على هذه الأوضاع.

على مدار الأسابيع الماضية بدأت سلسلة من الإضرابات في مصانع مثل تويوتا، وهوندا التي يديرها مستثمرون أجانب، جاءوا إلى الصين للاستفادة من الأيدي العاملة الرخيصة. ولكن ما يعاني منه هؤلاء العمال من ظروف عمل صعبة دفعتهم للإضراب، مما اضطر شركة تويوتا مثلاً إلى إبرام اتفاق مع عمال المصنع الـ 800 يقضي بإعادة النظر في الأجور، مقابل إنهاء الإضراب.

لسنوات طويلة كان الجميع يتحدثون عن المعجزة الاقتصادية التي حققتها الصين، وعن قدرتها على اجتذاب استثمارات من دول العالم الرأسمالي، فأصبحت نموذجاً يسعى الجميع للاحتذاء به. ولكن في الحقيقة فهذه المعجزة الاقتصادية يدفع ثمنها العمال، فالنمو الاقتصادي الحالي في الصين مبني على وجود عمالة رخيصة، وأي تحسين لأجور العمال يمكن أن يؤثر على هذه الوضعية الاقتصادية المتميزة التي لا تستفيد منها سوى الأقلية، حيث لا تمثل الأجور في الصين سوى 5% فقط من تكاليف الإنتاج.

وبينما يحصل العمال في الصين على أجور ضئيلة منذ وقت طويل، يوجد أثرياء كثيرون، وبينما يعمل الفقراء لوقت طويل وفي ظروف عمل سيئة للحصول على الفتات، هناك من يستمتع ببيوت فخمة ويحصل على الأموال بدون جهد يذكر.

البعض قد يقول إن الحديث عن وجود فجوة في مستوى المعيشة بين العمال والفقراء وبين الطبقات الثرية وأصحاب الأعمال هو محض كلام مرسل، أو إنه “كلام قديم”. لكن النظرة عن قرب لأوضاع هؤلاء العمال كافية لأن نتأكد أن عدم العدالة أمر واقع.

لن نتحدث عن الأجور المتدنية، ولن نتحدث عن ساعات العمل التي تتراوح من 10 إلى 12 ساعة، بالإضافة إلى ساعات العمل الإضافية يومياً، لن نتحدث عن الإدارة الوحشية التي تضرب وتسب العمال، لن نتحدث عن سرعة خطوط الإنتاج للدرجة التي تجعل هناك قيود في الذهاب إلى دورة المياه، لن نتحدث عن عنابر الإعاشة والنوم التي تظل أبوابها مغلقة طوال الوقت، وينام ما بين أربعة إلى ستة عمال في غرفة صغيرة. لن نتحدث عن كل هذا فقط سنقول إن أحد المصانع في الصين شهد انتحار 10 عمال خلال 5 أشهر بسبب ظروفهم السيئة وضغوط العمل.

ومن الواضح أن موجة الاحتجاجات العمالية قد أثارت قلق الحكومة الصينية، فاضطر رئيس الوزراء الصيني ون جياباو مؤخراً إلى الدعوة لمعاملة العمال النازحين (القادمين للمدينة من الأرياف والذين يشكلون قسماً هاماً من قوة العمل في الصين) بشكل أفضل. وفي نفس السياق كتبت صحيفة الشعب، الناطقة باسم الحزب الشيوعي الحاكم، محذرة من أن النموذج الاقتصادي للصين يواجه تحدياً بسبب الفجوة الكبيرة في الدخل بين الأغنياء والفقراء، مطالبةً برفع دخل العمال حماية للاستقرار.

 ولكن ما سبق ليس أهم ما نتائج موجة الإضرابات العمالية، فالأهم هو النجاح الفعلي الذي حققته تلك الإضرابات في رفع أجور العمال المضربين بل ورفع الحد الأدنى للأجور في 10 مقاطعات ومدن صينية بدءً من أول يوليو بحوالي 20%، ومن المتوقع أن يزيد عدد المدن والمقاطعات التي ستنضم إلى الركب.

  كان أحد الأسباب الأساسية وراء موجة الإضرابات التي شهدتها الصين مؤخراً، والتي تعد أمراً جديداً عليها، هو ارتفاع الأسعار الذي لم يترك أمام العمال مفراً سوى التحرك لتحسين أوضاعهم.

المعجزة الصينية كانت أحد مصادر إلهام الحكومة المصرية التي تسعى جاهدة لاجتذاب  الاستثمارات الخارجية والداخلية على وعد بتقديم كل التسهيلات الممكنة وعلى رأسها عرق ودماء العمال المصريين، كما بنت الصين مجدها على حساب عمالها. ولكن نجاح عمال الصين في انتزاع حقوقهم، قد يكون رسالة للعمال في كل مكان أنه حتى في أحلك الظروف يستطيع صناع الثروة الحقيقيون أن يواجهوا مستغليهم وأن يحسنوا أوضاعهم.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: