رؤى: من الجزائر إلى نجع حمادي …. معالم على طريق التعصب القومي والطائفية*

لم تعد أحداث دير أبو فانا وكنائس الإسكندرية ومذبحة نجع حمادي ومباراة الجزائر مجرد أحداث عادية استثنائية مرت بحياتنا، بل هي علامات على طريق العنف الطائفي الدامي والتعصب القومي غير المسبوق اللذان صارا طابعاً مميزاً للأعوام الأخيرة.

لقد صارت أحدث العنف الطائفي أكثر تواترا عن ذي قبل وأصبحت متكررة في الأماكن ذاتها فأحداث الاعتداء على دير أبو فانا بمركز ملوي بمحافظة الفيوم على سبيل المثال سبقتها وتلتها صدامات طائفية بين مسلمين وأقباط لأسباب مختلفة (علاقة عاطفية بين شاب مسيحي وفتاة مسلمة أو العكس – هروب زوجة كانت مسيحيية وأسلمت إلي بيت أهلها ثم يتضح بعد ذلك أنها كانت في زيارة لهم وأنها لم تتعرض للاختطاف كما أشيع – …..)، كذلك سبق مذبحة نجع حمادي توترات وصدامات في قرية فرشوط المجاورة للقرية التي وقعت فيها المذبحة. وهكذا معظم الحالات، إذن فنحن أمام بؤر يتعمق فيها العنف الطائفي يوماً بعد أخر ويتخذ أشكالاً أكثر إجرامية، فضلاً عن الطابع الجماعي الذي يميز هذه التحركات. فنحن أمام عنف تمارسه مجموعات كبيرة من البشر تجاه بعضهم البعض في هذه البؤر دون وجود سبب مباشر يمس كل أفراد هذه المجموعة، نحن هنا أمام حالة يمارس فيها المجموع العنف ضد عدو وهمي يشكل خطراً زائفاَ.

 الأمر ذاته هو ما حدث فيما يمكن تسميته بمعركة الجزائر، فجأة أصبحت هناك حالة عدائية واستنفار جماعي بالغ تجاه عدو غير محدد المعالم اسمه الجزائر والجزائريين، والخطر الذي يشكله هذا العدو هو السعي عامداً متعمداً نحو سلب المصريين انتصارهم، نحو هزيمة “الوطن” في معركته الكروية التي أصبحت فجأة بؤرة اهتمام كل المصريين بالفعل و بدون مبالغة.

بالطبع لا يمكن هنا إغفال التسويق والحشد والتعبئة الإعلامية المفزعة وغير المسبوقة التي تمت قبل المباراتين بين منتخبي مصر والجزائر، في مشهد له دلالة بالغة على إلي أي حد نجحت الرأسمالية في تسليع كرة القدم وتحويلها إلي مجال للاستثمار يدر الملايين بل المليارات من الأرباح عليهم، قنوات كروية مشفرة وباشتراك شهري وأخري مفتوحة ولكنها تتيح مساحات إعلانية تفوق تلك المخصصة لبرامجهم، وصحف رياضية متخصصة في كرة القدم، وملابس الفرق الرياضية والتي يباع حق استغلالها كلوحات إعلانية بملايين الجنيهات، ورعاة رسميون للبطولات، ونجوم كروية يتم صناعتهم وتركيز الأضواء عليهم لكي يتم تسويقهم في الأندية بعد ذلك بعمولات باهظة فضلاً عن تسويقهم في مجال الإعلان والدعاية للمنتجات التجارية المختلفة، وغيرها الكثير من مظاهر التسليع والاستثمار.

كل هذا يعطي مؤشرات إلي حجم المكاسب التي حققتها شبكة المؤسسات المستثمرة في كرة القدم أثناء فترة التعبئة لمباراة الجزائر، وكلما طالت فترة التعبئة و التغطية للأحداث كلما زادت الأرباح، هذا ما دفع هذه المباراة لكي تكون مركز الاهتمام الإعلامي والدعائي طوال شهرين تقريبا ارتفعت فيها نبرة الدعاية الشوفينينة والعنصرية في وسائل الإعلام المختلفة.

 ولكن السؤال هنا ما الذي دفع الآلاف من الجماهير للاستجابة للدعاية العنصرية الفجة التي مارستها وسائل الإعلام؟

والسؤال ذاته مطروح فيما يخص التعبئة الطائفية الجماعية على حوادث فردية وشخصية بالأساس.

ما الذي دفع كل هؤلاء لممارسة العنف الطائفي والقومي تجاه طرف لا يمثل في الحقيقة أي خطر حقيقي عليهم؟

 الدعاية وحدها لا تكفي بالطبع، فالأمر متعلق في جانبه الأكبر بما تعرض له المجتمع المصري من تغيير في العقود الماضية، إن حالة الانتماء الأعمي لمجموع طائفي أو قومي متعصب تعكس حالة من الاغتراب والانسحاق يعانيها الأغلبية من المجتمع المصري في الوقت الحالي. حالة اغتراب تدعمها الإجراءات التي اتخذتها الدولة وتسارعت بشكل خاص خلال العقدين الماضيين، لفرض اقتصاديات السوق وما استتبعه ذلك من تفكيك لشبكات الأمان الاجتماعي التي تم بناءها في الحقبة الناصرية. فالدولة تنسحب من كل شيء تقريباً، التعليم والعلاج وتوفير فرص عمل للشباب وتوفير سكن لمحدودي ومتوسطي الدخل. الدولة لم تعد مسئولة عن ضبط أسعار السلع في الأسواق، أو وضع الأجور في مستويات معينة تتناسب مع الغلاء، أو ضمان حقوق العاملين بالقطاع الخاص.

هذه الإجراءات لا تفكك فقط شبكات الأمان الاجتماعي المرتبطة بالدولة بل إنها أيضاً تفكك تلك الشبكات التي بناها المجتمع ذاته على مدار القرون الماضية، فكلما أوغل النظام – بمفهومه الواسع هنا – في التحول نحو الليبرالية الجديدة كلما تفككت وانهارت شبكات التضامن الاجتماعي والأطر التي خلقها المجتمع نفسه لدعم هذا التضامن المجتمعي ولضمان استمراريته مثل منظومة العائلة والأسرة والقرية والحارة وغيرها من هذه الأطر، التي رغم هشاشتها فإن لها أهمية بالغة. وهي تقوم بذلك من دون إنشاء أطر بديلة لتقديم هذا الأمان الاجتماعي، ليصبح الفرد هنا عارياً تماما ووحيداً بشكل كامل أمام ما يواجهه من ظروف معيشية وحياتية بالغة الصعوبة والقهر. هذه الصعوبة تعزز لدي هذا الفرد الإحساس بالعزلة والانسحاق وتعظم من أهمية الانتماء لمجموع ما يوفر له حداً أدني من الأمان. وهنا تأتي أهمية الكنيسة والمسجد وكل ما ألحق بهما من مهام ووظائف خدمية رخيصة ومتوفرة بشكل أسهل بكثير من تلك التي تقدمها الدولة الأن على مضض، فضلاً عن الدور الذي تلعبه هذه المؤسسات في خلق حالة تضامنية بين أبناء الدين الواحد بديلة عن تلك التي اختفت مع تفكيك الأطر الاجتماعية القديمة للتضامن.

الأمر نفسه ولكن بشكل أقل وضوحاً وأقل مؤسسية يحدث مع كرة القدم، فكرة القدم تهدي لهذا المجموع أو ذاك إنتصاراً من حين لآخر، يخفف بالطبع ولو لساعات وطئة الإحساس بالانسحاق تحت الظروف المعيشية السيئة، وكذلك يكسر حالة العزلة بعض الشيء عن طريق التوحيد بين جمهور الفريق الواحد، ولهذا نري بشكل متزايد حالات المبالغة الشديدة في الاحتفال الجماعي في الشوارع عقب كل انتصار كروي وكأنه طقس يتجاوز مجرد الاحتفال ويمتد إلي إعلان انتصار الجماعة والتوحد معها.

إن أسوء ما حدث في الأعوام الماضية هو أن التحولات الاقتصادية والسياسية التي قام بها النظام والتي سحقت الجماهير لم تؤدي إلي توجيه غضب هؤلاء الجماهير وسخطهم ناحية النظام وإنما ناحية بعضهم البعض. فما شهدناه على سبيل المثال من إحتجاجات وتحركات إجتماعية معبرة عن غضبها ورفضها لما تم وما يتم من تحولات اجتماعية واقتصادية في غير مصلحة هؤلاء لا يمثل في الحقيقة إلا قمة جبل جليدي يختفي معظمه تحت السطح، ليظهر لنا بين حين وآخر في صورة عنف طائفي وتعصب قومي، لا يستفيد منه في الحقيقة إلا النظام القائم. ففي قضية العنف الطائفي ضد الأقباط على سبيل المثال، يتحمل النظام المسئولية الرئيسية في خلق مناخ يعزز ويحفز على نمو الطائفية. وعندما تقع حوادث العنف يظهر النظام بمظهر حامي حمي الأقباط وحائط الصد في مواجهة المتطرفين الإسلاميين وتساعده في هذا الكنيسة بما لها من دور في احتجاز الأقباط خلف متاريس الطائفية مما يزيد من الاحتقان على الجانبين وهكذا دواليك.

 إن المسئولية الملقاة هنا على كاهل كل المهتمين بالعمل العام تحتم عليهم أن يبذولوا جهداً قصدياً لكسر حلقات العزلة التي تخلقها الطائفية ونزعات التعصب القومي، لا بتجميع النشطاء المسيسين أصلاً في حملات وفعاليات لمناهضة العنف الطائفي والتعصب القومي ولكن بذهاب هؤلاء النشطاء أنفسهم ومحاولتهم كسر هذه الحلقات والتواصل مع البشر العالقين داخلها. فعلى سبيل المثال الأقباط ومنذ مذبحة نجع حمادي قد بدأوا في التحرك، صحيح أن حركاتهم لا تزال عالقة داخل الكنيسة لم تغادرها إلا أنها تطرح إمكانيات وفرص وقبل هذا وذاك واجباً للتحرك نحوهم ومحاولة التواصل معهم وجذبهم خطوة خارج حلقات العزلة التي خلقها النظام.

*هذه الورقة تلخص العرض الذي قدمه أحد نشطاء تضامن في ملتقى الحوار نصف الشهري.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: