رؤية: ملامح معركة التغيير القادمة

  يحيى فكري

منذ ما يزيد قليلاً عن خمسة أعوام، تحديداً يوم 12 ديسمبر 2004، بدأت عملياً حركة للمطالبة بالتغيير الديمقراطي في مصر، دشنتها مظاهرة “كفاية” الأولى التي خرجت في ذلك اليوم. وعلى امتداد الشهور التالية، مرت هذه الحركة بمنعطفات متعددة، حتى وصل زخمها إلى نهايته في أبريل 2006 مع معركة القضاة. وقد شاب حركة التغيير تلك عيباً رئيسياً كان يكمن في طابعها النخبوي، وعدم قدرتها على تجاوز حدود الأقلية السياسية النشطة من المعارضين الجذريين، ما قلص في النهاية من حدود تعبئتها وإمكانية تحولها إلى حركة شعبية واسعة، لينتهي بها الأمر وقد اضمحل تأثيرها تماما

واليوم –منذ نهايات 2009 وحتى الآن- تنطلق العديد من المبادرات التي تطرح مجدداً مطالب التغيير الديمقراطي، وتُعيد الحياة إلى معركة التغيير. ذلك على خلفية ما سنشهده خلال هذين العامين -2010 و2011- من انتخابات تشريعية ورئاسية. لكن من الواضح تماماً، بالنظر إلى الكثير من الشواهد، أن معركة التغيير الجديدة التي تلوح مقدماتها اليوم في الأفق تختلف بشكل نوعي عن سابقتها. ولتحديد ذلك الاختلاف لابد من رصد وتحليل الشروط السياسية التي ستجري تلك المعركة الجديدة في ظلها.

والمؤكد أن هناك عاملين رئيسيين سيلعبان دوراً محورياً فيما سيدور من أحداث. الأول هو الخلخلة الحادثة داخل الطبقة الحاكمة بسبب السير قدماً في مشروع التوريث. والثاني هو انتعاش الليبرالية السياسية وسط قطاعات واسعة من النشطاء المهتمين بمسألة التغيير، وأقسام اجتماعية من شباب الطبقات الوسطى وما فوقها.

فإذا كان النظام قد نجح في 2005 في توحيد صفوفه خلف مبارك، إلا أن التحرك قدماً في مشروع التوريث خلال الشهور الماضية فتح الباب لمزيد من الخلخلة داخل الطبقة الحاكمة، التي تمثل نطاقاً اجتماعياً وسياسياً أوسع بكثير من النظام. وربما تكون التصريحات التي أدلى بها عمرو موسى خير شاهد على هذا الأمر، عندما أكد “أنهم” سيؤيدون مبارك إذا ما رشح نفسه “لكننا لن نقف مكتوفي الأيدي إذا ما كان المرشح هو جمال”. فمبارك يمثل تحالف الأقسام المختلفة داخل الطبقة، إنما يمثل جمال جناح الرأسماليين الاحتكاريين بها، الذي يفتقر داخلها للتأييد على الرغم مما يتمتع به من حظوة لدى كل المنخرطين منها داخل النظام.

على جانب آخر تشهد ساحات المعارضة انتعاشاً واضحاً للميول والاتجاهات الليبرالية السياسية، على خلفية كل ما جرى من معارك ونضالات خلال السنوات الماضية. فبسبب العديد من العوامل الذاتية والموضوعية فشل اليسار المصري –بمختلف تلاوينه- في جني حصاد ما دار من معارك. ذلك الحصاد الذي صب في مجرى الليبرالية السياسية، ودفع إلى حالة من الانتعاش والانتشار لمشاريع التغيير الليبرالية وسط أغلبية النشطاء وأقسام واسعة من الشباب الجدد المهتمين.

ولا يمكننا في الحقيقة فهم ذلك الاهتمام الشديد الذي حظى به رجل كالبرادعي خلال الفترة الأخيرة، دون الأخذ في الحسبان العاملين السابقين: الخلخلة داخل الطبقة الحاكمة، وانتعاش الليبرالية السياسية. فالبرادعي جزء من الطبقة يتمتع بحيثية مرموقة واستقلالية واضحة عن النظام. بل ويظهر في تناقض مع النظام عندما يطرح نفسه كبديل للرأسماليين الاحتكاريين. وهو في ذات الوقت يقدم نفسه كليبرالي قُح يرى أن مبتدأ الأمور ومنتهاها يتمثل في تعديل الدستور، وإقامة “ديمقراطية” ليبرالية.

نحن إذن أمام معركة تغيير من نوع مختلف، ستكون أقل جذرية بما لا يقاس من سابقتها، لكن أوسع انتشاراً وقدرة على التعبئة بوضوح. ففي 2005 شهدنا الكثير من الاجتماعات والمظاهرات والمؤتمرات التي حشدت الأقلية النشطة من المعارضين الجذريين، ولم تقدر على تجاوزهم. لكنها كانت ترفع شعارات واضحة حول إسقاط النظام ومصالح الجماهير، وتتخذ مواقفاً حاسمة من القضايا الوطنية والاجتماعية: ضد أي تهادن مع الإمبريالية والصهيونية أو السياسات الليبرالية الجديدة الاقتصادية.

لكننا اليوم أمام حدث مغاير: فبدلاً من إسقاط النظام سيرتفع شعار تعديل الدستور؛ وبدلاً من مظاهرات الأقلية المتحدية ستنطلق حملات جمع التوقيعات؛ وبدلاً من القطيعة مع كل صراعات القصر سترتفع النداءات تطالب بالتواصل مع الأجنحة المتذمرة من النظام؛ وبدلاً من الرفض المبدئي للتدخلات الإمبريالية سنواجه بحجج من نوعية أن أوباما يختلف عن بوش؛ الخ. لكن وفي ذات الوقت يمكن أن نتوقع أن تشهد الحركة انتشاراً كبيراً وحضوراً أكثر اتساعاً بكثير مما جرى في 2005 و2006.

انطلاقاً من كل ما سبق يمكن القول أن اليسار الجذري سيواجه امتحاناً عسيراً خلال معركة التغيير القادمة. حيث سيجد نفسه أمام اختيارين أحلاهما مر: إما الابتعاد عن الحركة والاكتفاء بتأكيد مواقفه الجذرية، وهو ما سيعزله عن أهم حدث سياسي وسيضاعف من تهميشه. أو الانخراط في الحركة، وبالتالي الانبطاح لشروطها الليبرالية وميوعتها وطابعها المهادن. وفي كلتا الحالتين سيواجه خطر التلاشي. ولن يكون أمامه من مخرج إلا ابتداع أفضل الوسائل التي تمكنه من الحفاظ على استقلالية مواقفه وتوسيع نطاق دعايته الجذرية، مع المشاركة في الحركة والتأكيد المتواصل على نقد ميوعتها وطابعها الليبرالي.

ربما يكون من المفيد هنا النظر في مسألة بناء تحالف اجتماعي على حصاد ما جرى من نضالات اجتماعية خلال عامي 2007 و2008. فلقد شهدنا نضالات ذات شأن بين عمال الغزل وموظفي الحكومة وغيرهم، كما شهدنا نضالات من أجل خدمات المياه والسكن، ونضالات للفلاحين والصيادين وطلاب الجامعات، ونضالات بين مهنيين كالأطباء والمدرسين، ونضالات من أجل التأمين الصحي وأموال المعاشات، وغير ذلك الكثير. وفي معظم تلك الحالات تبلورت أشكال تنظيمية، بعضها تقلص وبعضها لازال يحمل قدراً من الحيوية. لذا سيكون من الإيجابي هنا السعي لبناء تحالف بين تلك الأشكال التنظيمية أساسه المطالب الاجتماعية والاقتصادية، وتكوينه من قادة الحركة الأساسيين، وتنظيمه فضفاض ومفتوح، وطابعه العام غير حزبي أو سياسي.

فقد يكون هذا التحالف واحد من المخارج الرئيسية التي يحتاجها اليسار الجذري للانخراط في معركة التغيير المقبلة. فوجود نواة لتحالف اجتماعي على برنامج مطلبي مباشر -المطالب المباشرة فعلاً لتلك الحركات الآن على غرار: عودة العمال المفصولين، وتخفيض المصروفات الدراسية، ورفع الحد الأدنى لأجور الأطباء، الخ- يمكن أن تطرح نفسها داخل معركة التغيير بصفتها صاحبة مطالب بعينها، تضعها كشروط لتأييد الحركة. فهذا سيمنح الفرصة لليسار الجذري لتحجيم الطابع الليبرالي للحركة ورفع إمكانيات التجذير داخل المعركة.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: