السادس من أبريل والعصيان المدني والإضراب العام!

 

 

مقال ل غادة طنطاوي

خاص لتضامن

 

أصبح تعبير العصيان المدني يستخدم بشكل واسع في مصر منذ الفترة السابقة على أحداث 6 إبريل وما بعدها. وفي ظل تصاعد الحديث عن العصيان كسبيل للمقاومة، والحاجة إلى تقييم تجربة 6 إبريل من أجل المضي قدماً خطوات إلى الأمام، يبدو على درجة كبيرة من الأهمية مناقشة ماذا يعني بالتحديد العصيان المدني، وكيف تم استخدامه تاريخياً، إلى أي مدى نجح أو فشل كطريق للمقاومة.

 

المقاومة السلبية غير العنيفة

فكرة العصيان المدني أسس لها كاتب أمريكي في القرن التاسع عشر هو هنري ديفيد ثورو. وترتكز هذه الفكرة على المقاومة السلبية للنظام المراد مواجهته، بمعنى أنه لو نجحت المعارضة في إقناع الشعب برفض التعامل مع النظام، وقطع أواصر الصلة معه، فإن ذلك كفيل بأن يؤدي في لحظة إلى هزيمته ومن ثم انهياره.

 

وتعد تجربة الهند هي التجربة الأهم في العصيان المدني. فبالرغم من حدوث عدد من محاولات العصيان من جانب السود في أمريكا في نهاية القرن التاسع عشر، فإن تجربة غاندي هي أول تطبيق لهذا النهج على نطاق واسع.

 

فقد تبنى حزب المؤتمر بزعامة غاندي نهج المقاومة السلبية، التي عرفت بسياسة اللاتعاون في مواجهة الاحتلال البريطاني بداية منذ العشرينيات من القرن العشرين، وبلغ هذا النهج ذروته في الثلاثينيات. وارتكزت المقاومة السلبية على عدد من الإجراءات التي تهدف في الأساس إلى مقاطعة الإدارة الاستعمارية البريطانية. وأهم هذه الإجراءات كانت مقاطعة المنسوجات البريطانية والعودة إلى إنتاج المنسوجات محلية الصنع باستخدام النول اليدوي، ومقاطعة المحاكم، وترك الوظائف الحكومية، وعدم دفع الضرائب، وإخراج الأطفال من المدارس الحكومية. وكانت الفكرة الأساسية وراء هذا النوع من المقاومة، هي أن تلك الإجراءات سوف تسبب خسائر للاحتلال البريطاني مما يجعله في النهاية يقرر الرحيل.

 

وإلى جانب المقاطعة، فإن الشق الثاني للعصيان هو التمسك بالطبيعة غير العنيفة للمقاومة، حتى لو استخدم الطرف الآخر العنف بكافة أشكاله. لذلك فإننا نجد أن أتباع غاندي كانوا يقفون صامدين أمام الجلد واستخدام الرصاص من جانب الجنود البريطانيين.

 

وإذا ما قيمنا تجربة العصيان المدني في الهندن يتبين أن أكثر الإجراءات نجاحاً كانت مقاطعة منتجات النسيح البريطانية، لأن استيراد المنسوجات البريطانية كان قد أحدث أضراراً بالغة بالمنتجين المحليين، ومن ثم كانت الاستجابة الواسعة لدعوة غاندي التي أدت إلى إحياء صناعة المنسوجات الوطنية. من ناحية أخرى، لم تؤد الدعوة إلى عدم دفع الضرائب وترك الوظائف الحكومية وإخراج الأطفال من المدارس الحكومية إلى نجاحات مثيلة. فعدم دفع الضرائب قوبل برد فعل عنيف من جانب الإدارة البريطانية، بينما لم تكن هناك بدائل يمكن الاعتماد عليها فيما يتعلق بالوظائف والمدارس.

 

من ناحية أخرى، فقد واجه غاندي انتقادات عنيفة من قبل الفصائل الأخرى من الحركة الوطنية التي اعتبرت أن إصراره على تبني المقاومة السلبية، قيد قدرات الشعب في المضي قدما في النضال من أجل الاستقلال. وعلى سبيل المثال أعلن غاندي تراجعه عن الدعوة للعصيان المدني في فبراير عام 1922 بعدما قام الفلاحون في أحدى القرى بالتصدي لعنف الشرطة، وقتل عدد من رجالها.

 

من ناحية أخرى، لم ترتكز حركة العصيان على قوى اجتماعية معنية كما لم تتبن مطالب اجتماعية. فقد تجاهل غاندي حركة النقابات العمالية المتنامية منذ بداية العشرينيات، وكذلك الانتفاضات الفلاحية ضد الإقطاعيين. ومن ثم لم يتبن غاندي أية دعوى للإصلاح الزراعي، أو يتخذ موقفاُ مساندا للإضرابات الواسعة لعمال الصناعة والنقل والمناجم في بداية العشرينيات. ولم تكن تلك مصادفة، فسياسة العصيان أو اللاعنف ترتكز على مفهوم “الأمة” ككل، ومن ثم تضع جميع الطبقات في سلة واحدة.

 

ويبقى السؤال الأهم هو هل نهج العصيان المدني هو الذي حرر الهند من الاستعمار البريطاني؟ رغم أنه لا يمكن إنكار دور حركة المقاومة السلبية في مقاومة الاستعمار، إلا أنه يصعب القطع بأن هذه الحركة وحدها هي التي حررت الهند من الاستعمار البريطاني. فقد تم تبني هذه السياسة في العشرينيات وبلغت ذروتها في الثلاثينيات كما سبق القول، في حين أن استقلال الهند تم في عام 1947.

 

ومن ثم يجب النظر لاستقلال الهند في سياق الضعف الذي انتاب الإمبراطورية البريطانية مع نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث باتت آنذاك غير قادرة على تحمل أية مقاومة، ومن ثم أصبح التخلي عن الاستعمار العسكري واستبداله بنوع آخر من العلاقة مع المستعمرات يقوم على التبعية الاقتصادية هو مسألة أقل تكلفة من الاستعمار المباشر. وليس مصادفة أن بريطانيا فقدت الغالبية العظمى من مستعمراتها في السنوات التالية للحرب العالمية الثانية، وهو نفس ما حدث لفرنسا.

 

التجربة الثانية المهمة للعصيان المدني تبنتها حركة الحقوق المدنية في أمريكا بزعامة مارتن لوثر كينج في الخمسينيات والستينيات. فقد تبنى مارتن لوثر كينج نهج المقاومة السلبية من أجل تحقيق المساواة بين البيض والسود. ونجحت التجربة في عديد من الحالات في التخلص من مظاهر التمييز ضد السود. فعلى سبيل المثال، قرر السود في مدينة مونتجمري مقاطعة الأوتوبيسات العامة بسبب عزل السود عن البيض بداخلها. وإزاء انخفاض الإيرادات الناجم عن تلك المقاطعة، تم التخلي عن سياسة الفصل.

 

كما نجح هذا النهج في عدد من جامعات الجنوب الأمريكي حيثما كان يتم الفصل بين الطلاب البيض والسود في المطاعم. وقام السود من الاعتصامات داخل المطاعم وتم الرد بإجراءات عنيفة من جانب الشرطة لم يقاومها الطلاب لتمسكهم برؤية كينج بعدم اللجوء إلى العنف. وبعد ستة اشهر من الاعتصامات المتواصلة، تراجعت إدارت كثير من الجامعات في الجنوب، عن الفصل بين السود والبيض.

 

ودعا كينج إلى مقاطعة السود الأمريكيين، وهم يمثلون 10% من السكان، لبضائع الشركات المعادية لحركة الحقوق المدنية. وكان كينج وراء انتخاب أغلبية السود لجون كيندي عام 1960، والذي وعد خلال حملته الانتخابية بإقرار قانون الحقوق المدنية. وإزاء المقاومة التي واجهها كيندي داخل الكونجرس، تم تنظيم مسيرات ضمت مئات الآلاف في عام 1963، صمدت في وجه القمع البوليسي. وعقب اغتيال كيندي في عام 1963، استطاع خليفته جونسون الذي كان يحظى بنفوذ واسع داخل الكونجرس تمرير قانون الحقوق المدنية الذي جعل التفرقة بين السود والبيض في الأماكن العامة أمراً غير قانوني. وفي العام التالي بفعل المسيرات التي قام بها السود أُقر قانون حقوق التصويت الذي تعطي السود والبيض حقوقا متساوية.

 

غير أن المسألة لم تتوقف عند قانون حقوق التصويت. ففي النصف الثاني من الستينيات، انضم كينج إلى الحركة المناهضة لحرب فيتنام. وخطا كينج خطوات إلى الأمام حينما أعلن انحيازه إلى الفقراء والمقهورين. وفي عام 1968 ساند بقوة الإضراب الذي قام به عمال الخدمات الصحية في ممفيس. وهنا أدركت الطبقة الحاكمة الأمريكية أنه أصبح يمثل خطراً على مصالح الرأسمالية الأمريكية، يعد هناك مجالا للتسامح مع مارتن لوثر كينج، فتم اغتياله عام 1968 بعد إعلانه مساندة إضراب ممفيس بفترة وجيزة جدا.

 

ولم تكن هذه مصادفة، ذلك أن الإضراب هو نوع آخر مختلف جذرياً عن المقاومة السلبية لأنه يتم في مواقع العمل ويعتمد على الجماهير العاملة التي يمكنها أن تشل عجلة الاقتصاد، وتلحق أضراراً خطيرة بالرأسمالية. كما أنه يمكن أن يتطور ليتضمن مقاومة قمع الدولة عبر التمترس في المصانع واحتلالها إذا استدعى  الأمر.

 

وتطرح هذه التجارب مدى قدرة استراتيجية العصيان المدني أو المقاومة السلبية على تحقيق التغيير. فالبرغم من أن هذه استراتيجية حققت بالفعل مكاسب، إلا أنها تظل نجاحات محدودة ورهن ظروف دقيقة واستثنائية، سواء تتعلق بضعف وتهاوي الطبقات الحاكمة أو تلاقي الدعوة للعصيان مع ضرورات تطور المجتمع كما حدث في تجربة الحقوق المدنية الأمريكية. غير أن الفكرة الأساسية في العصيان، وهي المقاومة السلبية تفترض أن مقاطعة النظام ورفض التعاون معه سيدفعه طواعية إلى التراجع، وتتجاهل أن النظام لن يقبل التخلي عن وجوده بسهولة، ولن يتردد في استخدام أكثر الوسائل عنفاً وتوحشاً حال شعوره بوجود تهديد حقيقي.

 

تجربة 6 إبريل

بدأت الحديث عن 6 إبريل كما نعلم جميعاً، عندما أعلن عمال المحلة أنهم سضربون في السادس إبريل. وتحولت الدعوة من إضراب عمال المحلة، إلى إعلان السادس من إبريل يوماً للعصيان المدني، تحت شعار “خليك في البيت”، ودعا البعض إلى الإضراب العام، وحدث كثير من الخلط بين المفهومين بحيث أصبحا تستخدمان بنفس المعنى تقريباً. وإزاء شعور الكثير من المصريين بالسخط نتيجة الارتفاع المتواصل في الأسعار، وفي نفس الوقت، نتيجة التهديد الذي أطلقته وزارة الداخلية بعدم التهاون مع مثيري الاضطرابات، لزم الكثير من المصريين المنازل ومنعوا أولادهم من الذهاب إلى المدارس. ومن ثم بدت كثير من المدن خالية من الناس والسيارات. ومع اختلاف التقييمات لمدى نجاح الدعوة إلى الاعتصام قد يكون مفيداً الإشارة إلى عدد من الأمور.

 

أولاً كان 6 إبريل مؤشراً أيجابياً، حيث أن درجة الاستجابة من ناحية، وحجم التعاطف الواسع الذي شهدته الدعوة إلى الاعتصام، حتى من جانب من لم يشاركوا به، عبرت نوع من الاحتجاج الجماعي لم يكن مألوفاً.

 

من ناحية أخرى، علينا أن نجيب عن السؤال الآتي: هل كان ما حدث هو التجاوب الأمثل مع دعوة عمال المحلة للإضراب؟ يبدو أن الدعوة كانت سابقة لأوانها إلى حد كبير. فربما كان التجاوب الأفضل الكفيل بدفع الحركة خطوة إلى الأمام، هو جعل المحلة بؤرة الاحتجاج وإعلان مصانع أخرى حتى لو معدودة الإضراب للتضامن مع المحلة. الملاحظة الثالثة هي أن هناك حالة من الإحباط سادت بين المصريين بعد 6 إبريل، سواء من جانب من شاركوا في العصيان أو من لم يشاركوا. فقد كان الرأي السائد هو أن الاعتصام لم يحقق شيئاً، وهو ما يفسر عدم التجاوب مع دعوة 4 مايو.

 

وأخيراً تطرح مسألة 6 إبريل قضية أخرى مهمة هي جدوى العصيان المدني كوسيلة للمقاومة. فلو تخيلنا أن كل المصريين كانوا قد مكثوا في البيت في 6 إبريل، هل كان ذلك سيؤدي إلى سقوط نظام مبارك، أو حتى يجبره على التراجع عن إجراءات التجويع المستمرة التي يمارسها ضد الشعب. يبدو أن الإجابة الأكثر واقعية هي بالنفي. ذلك أنه يصعب تصور أن المقاومة السلبية مهما كانت واسعة،  بوسعها وحدها أن تجبر نظاماً يحتكر وسائل القمع على التراجع. وفي كل، فإن الأمر يحتاج إلى حوار واسع بين المهتمين بالتغيير، حتى يمكن البناء على ما سبق لدفع الحركة إلى الأمام.

 

 

 

 

مقال لـغادة طنطاوي

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: