ثلاثة مقالات حول النقابات العمالية

هذه المقالات الثلاثة تناقش الحركة النقابية العمالية في مصر.. ونرجو أن تفتح بابا للحوار حول السؤال المهم المرتبط بتنظيم الطبقة العاملة لنفسها. فبعد أن تحرك العمال وأضربوا، أصبحت هناك ضرورة ملحة للتنظيم والوحدة حتى تنتصر الحركة، هذه هي القضية وهذا هو السؤال

نقلا عن موقع كفاية – زد نت بالعربية

أولا مقال لإلهامي الميرغني:

التعددية النقابية هي الأصل

 

 

 

 

 

 

 

 

 منذ نشأت الطبقة العاملة المصرية وتبلورت بإضراب لفافي السجائر عام 1899 وحتى الآن وهى تخوض غمار المعارك المتواصلة من اجل حياة أفضل. وأهم ما ميز الطبقة العاملة المصرية منذ نشأتها الأولى أنها تبلورت كطبقة عبر انتظامها في تنظيمات نقابية مستقلة عن الحكومة واستخدامها حق الإضراب والاعتصام والتظاهر من اجل الدفاع عن حقوقها.

 وحين تفجرت ثورة الشعب في عام 1919 كانت الطبقة العاملة في طليعة الشعب المصري والكفاح من اجل الجلاء والاستقلال. وظلت الحركة العمالية تنتظم في نقابات وتتوحد النقابات في اتحادات منذ تكوين نقابة الصنائع اليدوية في الحزب الوطني الذي كان يقوده محمد فريد ، وحتى صدر أول قانون لتنظيم النقابات العمالية في عهد وزارة الوفد وهو القانون رقم 85 لسنة 1942 أي أنها ظلت حرة في تحديد شكل نقابتها وتمويلها وشروط عضويتها على مدى ما يقرب من نصف قرن حتى صدر قانون النقابات. ورغم ذلك ظلت الحركة العمالية تناضل من اجل تحسين شروط وظروف عملها حتى جاءت ثورة يوليو 1952 وتوالى الحظر والتقليص على الحركة العمالية وهو ما وصفه النقابي المخضرم “عطية الصيرفي” بعسكرة الحركة النقابية والعمالية.

فالتنظيم النقابي مثل كافة التنظيمات الأخرى هو شكل من الاتحاد الطوعى بين أعضائه من اجل تحقيق أهداف محددة وفى حالة التنظيم النقابي تكون أهدافه هي الحصول على أجور أعلى، وشروط عمل أفضل، وساعات عمل أقل. ومن حق العمال تنظيم أنفسهم دون وصاية من أي جهة كانت وتحديد شروط العضوية والاشتراكات وتحديد أهمية انضوائهم تحت اتحاد على أساس مهني أو سياسي أو جغرافي. ومن الممكن أن يوجد داخل المنشأة الواحدة أكثر من لجنة نقابية. فما الذي يضير في وجود عشرين نقابة داخل المصنع ستكون منهم نقابات حقيقية يلتف حولها العمال وأخرى شكلية لن ينتمي إليها أحد، والأهم من كل ذلك هو إعادة الحياة للحركة النقابية وجعلها أكثر حيوية في الدفاع عن مصالح العمال، والنقابة الأكثر جذرية في مواقفها هي التي سينضم إليها عدد أكبر من العمال ويسددون اشتراكاتها ويحرصون على تطورها.

فالأصل في التنظيم بشكل عام والتنظيم النقابي بشكل خاص هو التعددية، وهى جزء من الديمقراطية التي أساسها التعدد، أما التنظيم الواحد والنقابة الواحدة والاتحاد الواحد فهي مخلفات عهود الاستبداد الذي اختفى من جميع البلدان الديمقراطية.فالتعددية هي الأساس والتوحد الشكلي هو التعبير عن الاستبداد وغياب الديمقراطية.

لقد فرضت الناصرية العديد من القيود على الحركة العمالية وكبلتها بالقوانين والقرارات وفرضت عليها التنظيم الواحد والاتحاد الواحد لأنها من السهل أن توفر 21 شخص من رجالها للسيطرة على النقابات بينما التعددية ستشتت جهودها وقد لا يتوافر لديها العدد الكافي من العملاء والمخبرين للسيطرة على الحركة النقابية. فالاتحاد وفق هذه الرؤية أساسه السيطرة الأمنية والحكومية، وليس وحدة العمال والدفاع عن مصالحهم، والدليل على ذلك هو أن النقابات المتعددة المبعثرة كانت أكثر صدقاً وأكثر جدية في التعبير عن مصالح طبقتها على عكس الوضع الحالي في ظل الاتحاد الشكلي. وإذا تأملنا الفرق بين نقابات أمس واليوم نجد التالي:

  • كانت النقابة تتكون بمجرد أتفاق إرادة عشرة أفراد يكونون الجمعية العمومية ويحددون شروط العضوية، والطبقة العاملة من النضج والوعي بمصالحها بحيث تستطيع أن تفرق بين الغث والثمين.
  • كان مجلس إدارة النقابة ينتخب سنوياً ومن ثم لا يوجد نقابي جاثم على صدر نقابة منذ ربع قرن كما هو الحال في ظل نقابتهم الموحدة.
  • كانت العضوية اختيارية ومن ثم لا ينضم للنقابة سوى المدرك لأهميتها والحريص على التوحد مع زملائه من اجل تحسين الأجور وشروط وظروف العمل أما الآن فالوحدة الإجبارية جعلت العضوية شكلية عديمة الفاعلية.
  • كانت الاشتراكات تسدد بانتظام ويدفعها العمال بإراداتهم الحرة بينما الآن تستقطع إجبارياً من الأجور ليذهب جزء منها للنقابة العامة وجزء للاتحاد العام ولا يتبقى للأنشطة النقابية في المنشأة سوى القليل الذي لا يصلح لتمويل نشاط حقيقي بينما تذهب الاشتراكات المغتصبة وليست المستقطعة لتمويل المصايف في الخارج والسيارات الفارهة التي يركبها النقابين الصفر.
  • كان لكل نقابة مقر تجتمع فيه ويبحث فيه العمال عن مصالحهم ويعقدون أفراحهم واحتفالاتهم، بينما في ظل اتحادهم القسري اقتصرت المقرات على غرفة داخل مقر العمل خاضعة لسيطرة الإدارة والأمن لمواجهة أي توجه لوجود حركة حقيقية تدافع عن مصالح العمال.
  • كما كانت النقابات المتعددة ملزمة بعقد جمعية عمومية سنوية تحاسب مجلس الإدارة عما قدمه من اجل مصالح العمال وقد تسحب منه الثقة وتنتخب مجلس إدارة جديد، أما الآن فلا تعقد الجمعية العمومية سوى كل أربعة سنوات لعقد الانتخابات ولا يحرص العمال على حضورها حيث تكون شكلية بغرض الانتخاب ولا تتم أي محاسبة لأعضاء مجلس الإدارة وقد يصوت الحاضرين على ميزانية لم يعرفوا تفاصيل بنودها فهذه هي الديمقراطية الحالية.
  • كان لكل نقابة محامى يتولى الدفاع عن مصالح العمال في مواجهة تعسف الإدارة وهو ما كان يتيح إقامة دعاوى جماعية مما كان يعطي الحركة العمالية قوة أكبر وفاعلية أعلى.
  • كان هناك تجدد دائم في العضوية وتجدد في الفاعلية وتوالد مستمر في القيادات بينما الآن تغتصب الحقوق العمالية تحت سمع وبصر القيادات النقابية الحكومية التي أصبحت من أصحاب المصالح الخاصة والتي باعت حقوق عمالها من أجل تكريس الثروات والسفريات الخارجية والمصالح الخاصة بعيداً عن الرقابة الحقيقية لجماهير العمال.

لذلك نجد بعض المتبجحين بالدفاع عن البنيان النقابي الاستبدادي حيث تلتقي مصلحة الحكومة التي تريد حركة نقابية محدودة يسهل السيطرة عليها وتوظيف قياداتها واستخدامها لضرب المصالح العمالية ووضعها تحت سيطرة الأجهزة الأمنية مع مصالح مجموعات من النقابيين الصفر وأصحاب الياقات البيضاء ورجال الإدارة المعاديين لمصالح العمال الذين يستنزفون موارد الحركة النقابية ويبددونها من اجل مصالحهم الخاصة وهم لا يجرؤون على الدخول في مواجهة حقيقية مع الحكومة كما حدث عند تطبيق الخصخصة وعند مناقشة قانون العمل، ولأن على رؤوسهم بطحات كثيرة فهم يوافقون دائماً على ما تقترحه  الحكومة رغم إضراره الكامل بمصالح الطبقة التي يدعون تمثيلهم لمصالحها. 

لهذه الأسباب حرصت سلطات الاستبداد على إحكام قبضتها على الحركة النقابية ومصادرة التعددية من اجل إفراغ الحركة العمالية من مضمونها وتمرير كل سياسات الاستغلال والتبعية تحت سمع وبصر هذه الحركة النقابية الكبيرة العدد العديمة الفعالية. وإذا كان عمال مصر يزيد عددهم على 18 مليون عامل فإن الاتحاد الحالي لا تزيد عضويته على 3 مليون عامل أي حوالي 17 % فقط من الحركة العمالية. لقد انتهكت الحقوق العمالية في المدن الصناعية الجديدة وبعض شركات الاستثمار وفى بعض الشركات التي تمت تصفيتها أو بيعها تحت سمع وبصر البنيان النقابي الحالي دون أن يهتز لهم جفن طالما أن بدلاتهم موجودة والوفود والسفريات مستمرة فهم جاهزون للتصويت دائماً ضد مصالح طبقتهم.

إن تعدد المراكز النقابية هو ضرورة لعودة الروح للحركة العمالية وهو الأصل في أي بناء ديمقراطي حقيقي، أما التنظيم النقابي الحالي فهو أبعد ما يكون عن الديمقراطية وهو امتداد لسيطرة الاستبداد السياسي على الحركة النقابية واستمرار لعسكرة الحركة النقابية والعمالية. إن البناء الديمقراطي له ملامح واضحة ومعروفة، أما الديكور الاستبدادي فهو لا يصلح للألفية الجديدة، ولندع ألف زهرة تتفتح، وفى النهاية لا يصح إلا الصحيح.

 

 

ثانيا مقال لصلاح الأنصاري:

التعددية النقابية والاحتكار النقابي

نقلا عن موقع الحوار المتمدن

أثارت قضية التعددية النقابية في الآونة الأخيرة جدلا واسعا في صفوف المهتمين بالشأن النقابي والحركة العمالية، ولم يكن موضوع التعددية موضوع جديد على بساط البحث، بل الموضوع مطروح للنقاش منذ ثلاثين عاما، حينما أطلق شيخ النقابيين عطية الصيرفي دعوته وفكرته حول تعددية المراكز النقابية، والنقاش يتصاعد ويهبط، تشتعل جذوته وتخمد. ولم يكن عطية الصيرفي الوحيد الذي نادى بالتعددية النقابية، بل هناك الكثيرين بعده من الداعمين للفكرة.

وعلى الجانب الآخر , طرح المفكر الإسلامي والنقابي جمال البنا سلسلة من المقالات نشرتها جريدة الشعب وتضمنها كتاب يحمل عنوان “نحو تعددية نقابية دون تفتت أو احتكار” وصدر الكتاب عام 1994 .

والذي حرك الجدل من جديد موجة الإضرابات المتواصلة من ديسمبر 2006.
واختلفت الآراء واختلطت المفاهيم وتم التراشق بالكلمات وتبادل الاتهامات بين كل من أنصار الأحادية النقابية وهم المدافعين عن التنظيم النقابي القائم وبين الفريق الداعم والمؤمن بفكرة التعددية النقابية.

وفى تقديري أن أخطر ما في هذا المشهد هو أننا نلوك الكلمات والمفاهيم الكبيرة.. ذات الدلالات المحددة.. نمضغها كاللبان.. التعددية النقابية.. الحق في التنظيم.. الأحادية النقابية.. وحدة الطبقة العاملة…. كلمات تلوكها الأفواه لا تبلعها ولا تبصقها!

النقطة الثانية في هذا المشهد هو العنف اللغوي – إذا جاز التعبير – والذي يبدو واضحا في نسق مفردات لغة التخاطب والتي جاءت تعبيراتها من أنصار التنظيم النقابي القائم كالتالي:

* التعددية النقابية جريمة في حق الطبقة العاملة والوطن؟!

* التعددية النقابية دعوة مشبوهة تهدد مستقبل العمال؟!

* التعددية النقابية خطيئة؟!

والبعض الآخر يرى أن التعددية النقابية ستؤدى إلى الانقسام في صلب الطبقة العاملة؟!
ويجب طرح صيغة أخرى من خلال الواقع العمالي وعمل برنامج توعوي.

أما أصحاب فكرة التعددية فأنهم لم يقدموا مشروعا متكاملا للتعددية النقابية، إلا أنهم يؤكدون على أن التعددية هي الأصل وهى الأساس من مرجعية تاريخية حول طبيعة التعددية النقابية وتنوعها وانتشارها في بدايات القرن العشرين، فضلا عن أن الحركة العمالية في ظل التعددية قد ساهمت عبر تاريخها النضالي في كل الانتصارات الوطنية قبل ثورة 23 يوليو 1952.

وإذا نظرنا إلى موضوع الجدل من زوايا أخرى نجد من يتحدث من خلال استفسارات وتكهنات واحتمالات لنجاح التعددية. ألا يمكن أن تؤدى التعددية النقابية إلى المنافسة بين النقابات المختلفة على خدمة العمال ورفع مستواهم الاقتصادي والاجتماعي والمهني من خلال تقديم الخدمات والتعليم والتدريب؟ ألا يمكن أن تكفل التعددية ممارسة ديمقراطية أفضل داخل النقابة وتسمح للتقييم المستمر للأداء النقابي؟

جمال البنا يقدم في رؤيته حول التعددية الحاجة إلى وجود نقابتين عموميتين لكل صناعة أو مهنة واحدة على أساس الاندماج الاختياري ما بين مختلف النقابات في الصناعة أو المهنة الواحدة إيمانا بأن فائدة النقابة العامة ستعم على النقابات المنضمة، مؤكدا بعدم التعددية داخل المصنع الواحد، إذ انه لا يستقيم أن تتعدد النقابات داخل المصنع الواحد، خاصة أن المصلحة واحدة للعمال حول مطالبهم الاقتصادية. وإنما في المستويات الأعلى كالنقابات العامة فمن حق اللجان النقابية الانضمام إلى هذه النقابة أو تلك.

وفكرة ” جمال البنا ” تتلخص في القضاء على الاحتكار النقابي فالنقابة العامة بالصورة التي وجدت من 1959 حتى الآن دخيلة على التنظيم النقابي وما كان يمكن للعمال أن يقبلوها لولا الضغط السياسي والدجل الدعائي والشعارات التي لا حقيقة لها، فهي مخلوق حزبي لا نقابي، ووجود نقابتين سيوجد مجالا للعمال للاختيار وسيحطم الاحتكار وسيحمل النقابة على أن تعمل في مناخ المنافسة.

أن فكرة جمال البنا لها وجاهتها من حيث البناء النقابي ولكنه لم يتعرض لصلب الموضوع عن النقابة المناضلة والنقابة الانتهازية. ونعنى بالنقابة المناضلة: النقابة التي تعتنق النضال الطبقي بشكل مبدئي، والنقابة الانتهازية: القائمة على التعاون والوفاق الطبقي.

وهذا هو رأينا في صلب القضية المطروحة:

• النقابة الواحدة والاحتكار النقابي:

عرضت منظمة العمل الدولية وجهة نظرها عن الاحتكار النقابي في واحدة من وثائقها عن الحرية النقابية والمفاوضة الجماعية التي وضعتها لجنة الخبراء في تطبيق الاتفاقيات والتوصيات وألحقت بوثائق الدورة (81) لمؤتمر العمل الدولي – جينيف – يونيو 1994.

عرضت المنظمة تحت عنوان الاحتكار النقابي والتعدد النقابي “أن حق العمال وأصحاب الأعمال في تكوين المنظمات من واقع اختيارهم الخاص يبرز مشكلة الاحتكار النقابي، وتظهر الصعوبة حيث ينص التشريع بشكل مباشر أو غير مباشر على أن لا تؤسس سوى نقابة واحدة لفريق من العمال، ومع أن الواضح أن الاتفاقية (87) لسنة 1948 الخاصة بالحرية النقابية التي تعد معيارا للحريات النقابية لا تجعل من التعددية التزاما أو واجبا.. فإنها تفترض – على الأقل – إمكانية تحقيق التعددية في كل الحالات.

وهناك فرق رئيسي بين الاحتكار النقابي بمقتضى القانون، وبين أن يقوم بمقتضى التجمع الاختياري لمجموعات من العمال دون ضغط من السلطات العامة أو القانون عليهم لأنهم يريدون على سبيل المثال تدعيم وضعهم التفاوضي وتوحيد جهودهم في مواجهة مشكلات تظهر لهم. ولكن الوحدة النقابية التي تفرض عن طريق القانون بصفة مباشرة أو غير مباشرة تعارض صراحة نصوص الاتفاقية.

وبالرغم من كل ذلك، لم تلق هذه الأفكار مجتمعة أي صدى على المستوى القاعدي للعمال، لا بالسلب ولا بالإيجاب، لأن الحوارات لم تتجاوز حدود النخب النقابية والسياسية ونشطاء الحركة العمالية في المراكز الحقوقية. وهذا يعنى أن هناك فجوة في الاتصال مع العمال في مصانعهم حول قضية على درجة كبيرة من الأهمية. وبالتالي يشكل هذا الأمر ارتياحا لدى رافضي فكرة التعددية. ولا يخلو التنوع في الأفكار والحجج عن تناول الموضوع من زاوية حقوقية وديمقراطية. ولا يجادل احد فان الحديث عن الديمقراطية يلتصق بمبدأ التعددية وهو الأمر الذي أفرز تعددية نقابية في المغرب وتونس فضلا عن أوروبا وخاصة تجارب ألمانيا وفرنسا.


• التعدد ليس “التعددية”:

وتجدر في هذا السياق التفرقة بين التعدد والاختلاف كمفاهيم وبين “التعددية” كمصطلح في علم السياسة الليبرالي السائد في الغرب تحديدا. فالتعدد – كمفهوم – يرادف التنوع والتفاوت والاختلاف، في حين أن “لتعددية ” كمصطلح له خلفية تاريخية وفلسفية ترتبط بادراك دور الدولة وطبيعة المواطنة، بل وطبيعة الإنسان وصيغ العقد الاجتماعي وقضاياه ونظامه الاقتصادي.

كما أن لهذه التعددية ملامح مؤسسية ثابتة وتقترن بتطور اقتصادي واجتماعي ومناخ ثقافي يهدف إلى إدارة الصراع الاجتماعي دون مرجعية فكرية واحدة تجمع الأفراد والجماعات، رغم أن التعددية تعبر عن شكل الممارسة الليبرالية الديمقراطية الحزبية، والتعددية الحزبية تحديدا هي احد أنماط التعددية السياسية عامة وليست النمط الأوحد.

والتعددية النقابية من هذا المنطلق هي وسيلة لإدارة الاختلافات وصيانة الحقوق والحريات النقابية وإحدى الأدوات التي تساهم في ضمان المساواة والحرية والتعبير والرقابي على أصحاب الإعمال. ومن هنا فليست التعددية مدخلا للفرقة والانقسام بل على العكس. فقد حققت التعددية كما اشرنا إلى ألمانيا وفرنسا نجاحات على مستوى المطالب الجوهرية للطبقة العاملة من خلال الحوار الوطني واتخاذ المواقف الموحدة تجاه بعض الإحداث. وقد يبدو أن التعددية توحي بالانقسام إلا أن وحدة المواقف لصالح الطبقة العاملة هو الأمر الحاسم.

• وليست مهمة هذه الورقة الخوض في جدل، لكننا نلاحظ مجملا على منحى الجدل ما يلي: أن كلا الفريقين – رغم الخلاف – يرتضى الحزبية وتعددها، لكن المشكلة أن الفريق المؤيد للأحادية النقابية في شكلها وجوهرها الحالي ربط موقفه بالدولة وليس بالمجتمع.

• والحقيقة أن النقابة في مضمونها تقوم على العمل كقيمة وليس على التقارب والتعاون الطبقي أو الوصول لمكانة اجتماعية وسياسية. الجدل السالف كله لا يشتبك مع المضامين لمفهوم التعددية، حيث أن جدل الحرية والتعددية غير منعزلين عن جدل الطبيعة الإنسانية وغير منفصلين عن الحقوق التاريخية للعمال. • فإذا أردنا جدلا فاعلا, فلابد أن يكون حاضرا فيه أصحاب المصلحة في التعددية وهم العمال.

• فماذا يريد العمال؟ العمال أجابوا من خلال مواقفهم النضالية في حركات الإضرابات الأخيرة. أنهم اتخذوا مواقف نضالية تتناسب مع الشروط والظروف الموضوعية، الاقتصادية والاجتماعية، التي يعيشونها. وبتلك المواقف النضالية المناسبة في الوقت المناسب تعتبر ذات أهمية كبيرة بالنسبة للحركة العمالية.

إذن فالعلاقات النضالية هي التي تشكل بيت القصيد لأن العمال الذين يرتبطون بنقابات على أسس غير نضالية سرعان ما يصلون إلى اليأس من النقابة والعمل النقابي وهو ما وصل إليه العمال في احتجاجاتهم الأخيرة. ولان النقابة التي ترتبط بالعمال على أسس انتهازية وبيروقراطية وتعتبر العمال مجرد وسيلة للاستخدام في خدمة أغراض تبغيها النقابة سرعان ما تتكشف للعمال انتهازيتها وتزداد الفجوة بينهم وبالتالي فقدان الثقة فيها.

فنحن أمام مدرستين في العمل النقابي:

1. عمل نقابي انتهازي

2. عمل نقابي مبدئي

المدرسة الأولى هي مدرسة الوفاق والتعاون الطبقي. والمدرسة الثانية هي مدرسة النضال الطبقي.

فيما يخص المدرسة التي تقوم في إطار العمل على تحقيق الوفاق والتعاون الطبقي مع الطبقة المسيطرة، فهذه المدرسة تشكل الإطار الفكري لترويض نضال العمال حتى يظل مجرد عملية تجميلية للنظام وأصحاب الإعمال لا يتجاوز سقف ما تسمح به القواعد المحددة والمتفق عليها سلفا أو السقف المحدد تشريعيا. ولتمرير هذا المفهوم درجت السلطة على ترويج الأفكار الداعية إلى عدم تسييس النقابات، أي إلى فصل النضال الاقتصادي عن النضال السياسي. وفى الانتخابات العمالية الأخيرة عام 2006 كان التحذير من رفع شعارات دينية أو سياسية في الانتخابات العمالية بقرار وزاري.

كل هذه المفاهيم المشوهه والمغالطات العمدية ساهمت في صياغة مفاهيم نقابية غريبة تجد من يدافع عنها، لانه مقابل الدفاع عن هذه الأفكار وبثها وترويجها، فإن مردود مواقع في المجالس النيابية والحزب الحاكم، وخلق ارستقراطية نقابية تحتل التنظيم النقابي بالرغم من الانفصال العضوي بينها وبين العمال.

أما عن مدرسة النضال الطبقي أو النقابة المبدئية: فان من مهامها تجاوز الفصل بين ما هو اقتصادي وما هو سياسي.

ولكن ماذا يعنى تجاوز الفصل بين ما هو سياسي وما هو اقتصادي في الواقع؟ إن الإشكالية هنا ليست في الفصل بينهما في مواقع العمل (لأن نضالات العمال ضد الاستغلال في مواقع العمل هي ذات طابع سياسي متأصل، ولكنها في الانفصام بين الحياة في مواقع العمل وبين بقية مناحي الحياة التي تتطلب مواقف نضالية وانخراط مع القوى الديمقراطية والسياسية والتي تتلاءم مع الشروط الموضوعية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي يعيشها العمال.

ومن المهام الأساسية أيضا، المشاركة في الحملات القومية لمقاومة الاستغلال وبناء جبهة تحالف مع الحركات الاجتماعية الأخرى، وهى بذلك تربط نضالها النقابي اليومي من اجل تحسين شروط الاستغلال بإستراتيجية تحررها من الاستغلال بكافة صوره دون المساس باستقلاليتها وهى مدرسو لا تلتزم الحياد إزاء القضايا الجوهرية للصراع الطبقي، بل تسهم في التصدي لها ومحاولة حلها باعتبارها في ذلك الصراع تربط نضالها الاقتصادي اليومي بالنضال السياسي العام ضد الطبقة المسيطرة.

• أما فيما يتعلق بأن التعددية النقابية تحدث انقسام في صلب الطبقة العاملة، فإن الانقسام الذي سيؤدى لا محال إلى تقسيم صفوف الجماهير في القواعد العمالية إنما تمليه المصلحة الطبقية التي تصبح أمامها قضية الوحدة الشكلية والعضوية الدفترية مسالة ثانوية. فلا يمكن أن نتصور مثلا إذا توافرت كل عوامل التعددية ومكوناتها وأهدافها: فهل من الصحيح أن نتمسك بالوحدة على قاعدة الاحتكار للعمل النقابي بالقانون وبغير القانون؟ وهل نتمسك بالوحدة على أرضية البيروقراطية النقابية وقانونها ومواقفها المعادية للعمال بموافقتهم على الخصخصة والمعاش المبكر وتصفية المصانع .. الخ

• إن وحدانية التنظيم النقابي أو التعددية النقابية ليست مسألة اختيار مطلق، بقدر ما هو اختيار محكوم بجملة من الشروط يجب تقديرها بدقة. فالمهم أن تستمر حركة التطور نحو الوحدة النضالية للعمال في إطار مصالحهم الطبقية من خلال اطر مختلفة تنظم العمال في أشكال يخلقوها ويفرضوها وتكون مشروعيتها ومرجعيتها من الحركة العمالية والنقابية على اتساعها.

 

ثالثا مقال لسامح سعيد عبود:

نهاية نقابة المنشأة

نقلا عن موقع الفسايل

 

تواجه الطبقة العاملة مصريا وعالميا أوضاعا تعوق تطورها وتبلورها كطبقة ذات فاعلية، إلا أن الكثيرين من المعنيين بتحقيق هذا التبلور والفاعلية لا يراعوا هذه المعوقات، ولا يفكروا في حلول لها، فقديما عندما كانت المنشآت الرأسمالية تضم مئات العمال، كان من الطبيعي أن ينمو وعى العمال وتنظيمهم وفعاليتهم، فى صراعهم مع ملاك المنشأة، بادئين من النضال النقابى بالمنشأة، ثم متحدين ومتضامنين بعد ذلك مع عمال المنشئات المجاورة أو التى تمارس نفس النشاط، ثم الدولة ثم العالم على التوالى. إلا أن الوضع الآن قد تغير، واصبحت مسألة تركز قوة العمال فى منشآت كثيفة العمالة تنتمى لعالم قديم لم يعد له وجود الآن.


الوضع الحالى لكثافة العمال فى مصر هو أن منشئات القطاع العام فقط هى التى تتميز بكونها منشئات كبيرة ، تزيد فيها كثافة العمل عن خمسين عامل، يعمل بتلك المنشئات أقل من مليون عامل، وهذا استثناء من الطابع الغالب فى منشئات القطاع الخاص من حيث كون غالبيتها الساحقة هى مؤسسات صغيرة ومتوسطة تتقلص فيها كثافة العمل، وتبلغ فى الصناعة والخدمات أكثر من 99% من المنشئات، و تتجاوز فى الزراعة 99% من الحيازات الزراعية، و توظف هذه المنشآت أكثر من 85 % من العاملين في الوظائف الخاصة خارج القطاع الزراعي، و فى نفس الوقت نلاحظ التضاؤل الحاد لمنشئات القطاع الخاص الكبيرة التى تبلغ 0.2% من المنشئات فى الصناعة والخدمات، وتقل فى الزراعة عن 1% من الحيازات الزراعية حسب إحصائيات 1996 ..و توظف 15% أى حوالى نصف مليون عامل. و هذه المنشئات هى التى يسمح القانون بتشكيل لجان نقابية للعاملين بها. وعمليا فإن العاملين فى هذه المنشئات هم الذين يستطيعوا أن يمارسوا صراعهم فى مواجهة صاحب العمل لتحسين شروط عملهم، ويمكن أن يتكون لديهم وعى طبقى عفوى إنطلاقا من ممارسة الصراع الاقتصادى عبر المنشأة.


المشروعات الصغيرة جدا و الصغيرة والمتوسطة التى توظف من عامل إلى 49 عامل لا تنشأ بها لجان نقابية وفقا للقانون، وإنما يسمح لعمالها بتشكيل لجان إدارية نقابية بالمنشأة تابعة للنقابة العامة أو لجان نقابية عمالية مهنية بالأحياء والمدن والأقاليم تابعة للنقابة العامة تضمهم مع زملائهم فى المهنة أو الصناعة، هذا على المستوى القانونى، أما على المستوى العملى فإن العاملين فى هذه المنشئات لا يستطيعوا أن يمارسوا صراعهم فى مواجهة صاحب العمل لتحسين شروط عملهم، ولا يمكن أن يتكون لديهم وعى طبقى عفوى انطلاقا من ممارسة الصراع الاقتصادى عبر المنشأة. للعديد من الاعتبارات أهمها اعتماد هذه المنشئات غالبا على العمالة المؤقتة والموسمية وبالتالى سهولة استبدالهم بعمال آخرين. و أنهم غالبا ما يكونوا قد وقعوا على استقالات مسبقة من العمل عند التحاقهم بالعمل، وفيما يتعلق بالمنشئات الصغيرة والصغيرة جدا التى يقل عدد عمالها عن عشرة عمال، والتى تبلغ 97.3% من المنشئات فى القطاع الخاص، والتى يعمل فيها ثلاث ملايين عامل بنسبة 77.3% من إجمالى العاملين بالقطاع الخاص وفق احصائيات1996، فإن العلاقة بين العمال و صاحب العمل غالبا ما تتسم بطابع حرفى ينتمى لما قبل الرأسمالية. ومن ثم يصعب على هؤلاء أن يتكون لديهم وعى طبقى عفوى، ولا يمكنهم الانخراط فى الصراع الاقتصادى عبر المنشأة.مما يجعلهم أقرب لوضع عمال الزراعة والمهمشون من حيث صعوبة التنظيم.


العاملين بأجر ليسوا جميعا عمالا بالمعنى الدقيق للكلمة، ومن ثم فهم يشكلون أربع طبقات هى البيروقراطية وموظفوا الحكومة والمهمشين والعمال، وباستثناء البيروقراطيون فإن كل الأجراء أصحاب مصالح مؤكدة فيما يتعلق برفع الأجور وخفض الأسعار وساعات العمل وتحسين سائر شروط العمل والحياة فضلا عن التحرر من نظام العمل المأجور، وهم برغم عددهم الذى يتجاوز العشرين مليون فى مصر، فأنه غير مسموح سوى لربعهم تقريبا بتشكيل نقابات وفقا للقانون، وعمليا فهم محرمون من المنظمات التى تعبر عن مصالحهم وتنظمهم للدفاع عنها، ومن ثم عاجزون عن تحقيق مصالحهم الآنية والمستقبلية نظرا لحالة التفكك التى يعانوها و السابق توضيحها.


لدينا مليون ونصف مليون عامل وخمسة ملايين موظف حكومى فقط هم الذين يمكنهم النضال عبر المنشئات، وتنظيم أنفسهم انطلاقا منها، فماذا عن العاملين بأجر فى القطاع غير الرسمى، والمنشئات المتوسطة والصغيرة فى القطاع الرسمى، وهم يبلغون أكثر من 15 مليون عامل، وإذا كانت النقابة القائمة على أساس المنشأة، صالحة لتنظيم عمالة مستقرة نسبيا فى أعمالها ومهنها وأماكنها، فهل مازالت صالحة لعمالة غير مستقرة، حيث تسود الآن ظاهرة العمل المرن، فلا استقرار للعامل فى عمل أو مهنة أو مكان، كل هذه الظروف لابد أن تدفعنا للتفكير بشكل مختلف، ونحن نسعى لأن تنتظم الطبقة العاملة دفاعا عن مصالحها.


اعتقد أن الواقع نفسه يفرز الأشكال المناسبة للنضال العمالى بعيدا عن الأشكال الشرعية والبيروقراطية، وهو ما نلاحظه فى الواقع المصرى فى أشكال تنظيمية مثل اللجنة التنسيقية للدفاع عن الحقوق والحريات النقابية، وعمال من أجل التغيير، وأطباء بلا حقوق، وحركة المدرسين، وحركة 9 مارس لأساتذة الجامعات، إلا أن الطريق مازال طويلا لكى تتطور هذه الأشكال التنظيمية لما هو أكثر تبلورا، ولكى تتحول من لجان نخبوية قليلة العدد إلى حركة جماهيرية واسعة، ربما يكون تشكيل لجان و مجالس للعمال والموظفين والمهمشين على أسس جغرافية كالأحياء أو المدن أو على أسس مهنية المهندسين أو عمال المحلات التجارية والورش، وهو شكل يتجاوز مرحلة نضال المنشأة و أشكالها التنظيمية لنضال وتنظيم أكثر تطورا، إلا أن الضرورة أصبحت تفرضهما.

 

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: