الورقة المقدمة في ملتقى الحوار نصف الشهري حول القيادات العمالية الجديدة والحركة

16 ديسمبر 2009

عقدت مجموعة “تضامن” ملتقى الحوار نصف الشهري يوم 15 ديسمبر بعنوان القيادات العمالية الجديدة والحركة. وتحدث في الملتقى هيثم جبر الناشط في تضامن. تناول الحوار المكاسب التي حققتها الحركة والعلاقة بين القيادات الجديدة والعمال والأساليب الكفاحية التي طورتها القيادات مع العمال وأشكال التنظيم والعقبات التي واجهت القيادات الجديدة في تعبئة العمال. للإضطلاع على الورقة إضغظ http://www.scribd.com/doc/24188047

 


فى آخر حواراته قبل وفاته.. كريس هارمان لـ(الشروق): العمال يدفعون ثمن الأزمة

10 نوفمبر 2009

محمد جاد

فى بريطانيا يقولون إن مشكلة الاقتصاد البريطانى تتمثل فى أن الأفراد لا يعملون بجدية بما فيه الكفاية فالأغنياء دائما ينتقدون الفقراء. فبينما يتجولون بسياراتهم الفارهة والمكيفة ينظرون بتعال للعمال وقت راحتهم ويقولون إنهم لا يعملون بجد هذا ما يحدث فى بريطانيا وألمانيا ومصر وكل مكان بالعالم، هكذا وصف كريس هارمان، عضو حزب الأعمال البريطانى والمفكر الاقتصادى والصحفى ذو الخلفيات الاشتراكية العلاقة بين الأثرياء والفقراء.قراءة هارمان للأزمة المالية العالمية تتركز فى أن السبب فى الأزمة يعود إلى طبيعة النظام الرأسمالى ذاته، حيث يرى أنه مع انخفاض ربحية الشركات اتجهت الرأسمالية إلى تخفيض أجور العمالة، الأمر الذى دفع المؤسسات المالية لإقراض الطبقة العاملة بأكثر مما تحتمل لا يتفق مع فكرة نهاية الرأسمالية، «الرأسمالية ستستمر حتى تقضى عليها الجماهير». كما جاء على لسانه

الزومبى والعمال

يتوقع هارمان أن تسعى الحكومات فى الفترة القادمة إلى استعادة ما أنفقته على خطط إنقاذ القطاع المالى من خلال تقليص الإنفاق العام على الخدمات والأجور.«هناك عدة سيناريوهات مستقبلية ربما تتكون فقاعات اقتصادية جديدة فى الفترة المقبلة أو أن يدخل الاقتصاد الأمريكى فى موجة ركود لفترة طويلة أو أن ينهار الاقتصاد، لكن الأمر المؤكد هو أن العمال هم الذين سيدفعون الثمن».

منسيقود العالم بعد الأزمة؟

 

وعن الشعور الشائع بأن الصين مؤهلة لتكون القوة العظمى الاقتصادية، التى توجه الاقتصاد العالمى فى الفترة القادمة، يشير هارمان إلى أنه بينما نمت الصين بشكل كبير فى العقود الثلاث الأخيرة، فإن الاقتصاد الصينى يمثل 7.5% فقط من الاقتصاد العالمى لذا فهو ليس كبيرا بما يكفى ليحل محل الاقتصاد الأمريكى والأوروبى بعد الأزمة، تبعا لهارمان.ولكن من سيقود العالم إذن؟.

 

«لا أمريكا ولا أوروبا ولا الصين تستطيع أن تقود الاقتصاد العالمى فى الفترة المقبلة فمنذ حقبة السبعينيات، وكل عقد يشهد نموا فى منطقة وركودا فى منطقة أخرى، فمنذ 18 سنة قيل أن الاقتصاد اليابانى سيهيمن على الاقتصاد الأمريكى ثم دخلت اليابان فى أزمة وكذلك شهدت الولايات المتحدة نموا كبيرا حتى دخلت فى أزمة فقاعة شركات تكنولوجيا المعلومات والآن يشهد الاقتصاد الأمريكى ركودا، والصينى نموا ولا أحد يعرف ماذا سيحدث فى المستقبل».وعن مستقبل الاقتصاد العالمى بعد خطط الإنقاذ الحكومية بضخ المليارات لتجنب الكساد الاقتصادى، قال هارمان: «لا أعتقد أن لدى صناع القرار استراتيجية للخروج من الأزمة، فهم ما زالوا خائفين من ضغط الإنفاق الحكومى حتى لا يدخل الاقتصاد فى أزمات جديدة».

 

الفقراء يدفعون الثمن

بالعودة إلى الوراء قليلا قبل اندلاع الأزمة المالية العالمية فى سبتمبر 2008 كان الجدل فى مصر دائر عن أولويات النمو والسياسات الاجتماعية، هل نعطى الأولوية لتحسين دخول الأفراد أم نقدم الحوافز للمستثمرين لينعكس النمو على المواطن بعد ذلك؟

 

التاريخ يثبت ــ تبعا لهارمان ــ أنه عندما يزداد الأثرياء ثراء، يزداد الفقراء فقرا ضاربا المثل بالتجربة الأمريكية، حيث ازدادت الثروة الأمريكية فى الثلاثين عاما الأخيرة، وذهبت هذه الثروة إلى أفراد قليلين فى قمة المجتمع الأمريكى، بينما لم ترتفع متوسطات أجور العمالة خلال هذه الفترة

رابط الموضوع


انتظرونا.. تجدوا ما يسُّركم!

16 أكتوبر 2009

هل تتذكرون هذا الحوار الخالد بين سرحان عبد البصير وحاجب المحكمة في “شاهد ماشفش حاجة”؟

- “إنت بتاخد كام؟”

- “سبعة جنيه في الشهر”

- “بس؟”

- “أيوه”

- “عندك عيال؟”

- “سبعة”

- “في الشهر برضه؟”

يا ترى سرحان عبد البصير كان هيقول إيه لو سمع إن الحكومة هتدينا علاوة 5% (في السنة!)، في حين إن التضخم (الحقيقي مش المفبرك) على الأقل خمس أضعاف النسبة دي! إيفيهات سرحان الساذجة مكانش هيبقى لها طعم مع الحقيقة اللي أغرب من أي إيفيه دي.

طب وإحنا ممكن نتوقع إيه غير كده؟ إذا كانت لجنة الموازنة في مجلس الشعب بيرأسها رجل الأعمال “أحمد عز”، وإذا كانت الوزارة كلها رجال أعمال، والحزب الوطني مسيطر عليه رجال أعمال، والصحف والفضائيات بتاعة رجال أعمال… ممكن نتوقع إنه يحصل إيه؟

وزير المالية قال إن “ميزانية السنة دي ميزانية حرب”. والله يسلم فُمك يا راجل. قلت الحقيقة. لكن السؤال هو: حرب مين ضد مين؟

الميزانية يعني الحكومة بتاخد فلوسها من مين وبتديها لمين. بحسبة بسيطة هنلاقي إن الحكومة هتدي بعض العمال والموظفين 5% (واحتمال أكتر شوية)، لكنها هتاخدها منهم حوالي أربع أضعاف برفع الأسعار والضرايب.

أما رجال الأعمال، فحاجة تانية خالص! الريس قال إننا لازم نقف جنبهم ونساعدهم (بشرط إنهم ما يتفخشروش قوي). شفتوش أجمل من كده؟

على كده بقى الحرب اللي يقصدها يوسف بطرس غالي هي حرب الحكومة عالغلابة.

المثل بيقول “عُض قلبي ولا تعُض رغيفي”. عمال مصر، وكل صاحب أجر فيكي يا مصر، لازم يقفوا عشان ياخدوا حقهم. لازم نفتكر إن اللي خّلى مرتبات الضرايب العقارية تتضاعف كان اعتصام شارع حسين حجازي، وإن اللي إدى أي عامل في مصر جزء من حقوقه كان نضاله ضد الظلم اللي بيعانيه. عشان كده لازم نقول للي نهبها واللي خربها: “انتظرونا تجدوا ما يسُّركم من إضرابات واعتصامات”!

كل علاوة وإحنا طيبين، وكل عيد عمال وإحنا مناضلين

 


ضُم صفوف الفقرا ضُم

16 أكتوبر 2009

عمال غزل شبين وحزب الله، موظفين الضرائب العقارية وحركة حماس.. يا ترى إيه العلاقة؟ مال العمال والموظفين المصريين بحركات المقاومة العربية؟

الحكومة بتاعتنا بتحاول تقنعنا إن مفيش علاقة، وإن دول ناس بتوع مشاكل، عاوزين يصدروا لمصر المشاكل بتاعتهم؛ الفلسطينيين بيقتحموا الحدود المصرية عشان يعيشوا فيها، وخلية حزب الله عاوزة تعمل أعمال إرهابية في مصر. كلام كتير بيتقال هدفه إن الفقرا المصريين يشوفوا إن الحركات دي عدوة ليهم، وإن فكرة المقاومة نفسها فكرة غلط.

ده اللي الحكومة عاوزانا نصدقه. بس يا ترى الحقيقة إيه؟ الحقيقة إن عمال مصر وفقراءها بيقاوموا الظلم والاستغلال بتاع الحكومة ورجال الأعمال، بالضبط زي ما المقاومة الفلسطينية واللبنانية بتقاوم الاستعمار.

الحقيقة التانية إن الحكومة بتاعتنا ورجال الأعمال علاقتهم قوية جدا بإسرائيل وأمريكا وبينهم مصالح مشتركة، وهات وخد، في نفس الوقت اللي بيحاصروا فيه الفلسطينيين ويجوعوهم.

من الآخر يعني إحنا بنقاوم زي ما حماس بتقاوم وزي ما حزب الله بيقاوم، وأعداءنا بيتعاونوا مع بعض وبيساعدوا بعض. طب تخيلوا لو كل الناس اللي بيقاوموا ساعدوا بعض، الوضع هايبقى إيه؟ أكيد فرص انتصار المقاومة في كل مكان هتزيد.

الأهم من كده إن دور العمال في المقاومة دور أساسي. تخيلوا لو العمال في مصر اتحركوا وقاوموا بقوة، وقدروا إنهم يغيروا النظام ده، ممكن إيه اللي يحصل في المنطقة كلها؟ أكيد حاجات كتير قوي هتتغير، أهمها إن فرص انتصار المقاومة في فلسطين ولبنان هتزيد. شفتوا بقى ليه الحكومة بتاعتنا عاوزانا نكره المقاومة، وشفتوا بقى ليه إحنا لازم كلنا في مصر وفلسطين ولبنان نقاوم؟

المحرر

 

 


يعنى إيه نقابة مستقلة؟

16 أكتوبر 2009

النقابة شكل اخترعه العمال لتنظيم كفاحهم ضد أصحاب العمل، سواء كان أصحاب العمل دول هم الدولة أو القطاع الخاص. وده لأنه دايما، وبشكل يومي، فيه صراع بيدافع فيه العمال عن حقوقهم ضد سياسة أصحاب الأعمال اللي بتهدف لنهبهم.

اكتشف العمال بتجربتهم إن قوتهم الحقيقية بتيجي من نضالهم الجماعي. سلاح الإضراب هو أكبر تعبير عن هذا الاكتشاف، لأن الإضراب مالوش معنى إلا إذا كان عمل جماعي بيضم كل، أو معظم، عمال المصنع. وزي ما بيصر صاحب رأس المال على نهب حقوق العمال، فهم أيضا قرروا – من خلال الإضراب – إنهم يحرموه من مصدر أرباحه، وهو الإنتاج اللى بيصنعوه بأيديهم.

ومع دخولهم النضال الجماعي، اكتشف العمال إن النصر يحتاج إلى تنظيم. فالإضراب قد يطول يوم أو اثنين أو ربما شهر، ويحتاج إلى إعاشة، طعام وشراب وأغطية وتجهيز أماكن للمبيت، وحراسة للمنشأة من محاولات التخريب، بالإضافة إلى أننا نحتاج لاختيار ممثلين للمفاوضة بالنيابة عنا أمام الإدارة، ومتابعة تنفيذ مطالبنا. من هنا نشأت فكرة التنظيم. يختار العمال عناصر منهم، يثقون فيها ويرون قدرتها على القيادة، ليعطوها مسئولية إدارة الإضراب، تحت إشراف العمال ورقابتهم.

مع الوقت تعلم العمال أن الصراع لا ينتهي والمعارك مستمرة، بل إنها يومية. كما أن انتصار تحركاتهم يشجعهم على السعي إلى الحصول على المزيد من الحقوق، وتحسين أحوالهم المعيشية، وهى عملية تحتاج أيضا إلى تنظيم، لكن هذه المرة ليس محدودا بحدود الإضراب فقط، لكنه تنظيم دائم يدير المناقشات ويوحد المطالب ويطور أساليب الحركة ويحشد الدعم لها خارج أسوار المصنع.

هكذا تطورت اللجنة المنظمة للإضراب إلى تنظيم دائم، أطلق العمال عليه بعد ذلك أسماء مختلفة، جمعية أو رابطة أو لجنة، لكن الاسم الأشهر كان النقابة.

ورغم الفرص الكبيرة التي أتاحها هذا التطور في التنظيم، إلا أنه حمل مخاطر كبيرة. فبعد أن كان ممثلو لجان الإضراب من القيادات العمالية الطبيعية المرتبطة بزملائهم في مواقع العمل، واللي تحت رقابتهم بشكل مباشر، أصبحوا تدريجيا من أصحاب المواقع المميزة، وانفصلوا شيئا فشيئ عن قواعدهم.

إن تراجع دور العمال العاديين، العمال القاعديين، في الرقابة على تنظيماتهم النقابية، وتحول النقابة إلى مجرد شكل بيروقراطي يخدم مصالح عدد صغير من النقابيين المعزولين عن العمال، كل ذلك سهّل مهمة أصحاب الدولة وأصحاب الأعمال، وفي كثير من الأحيان الاتجاهات الانتهازية، للسيطرة على التنظيمات النقابية، وسجنها في الحدود التي لا تسمح بتطورها إلى منظمات عمالية حقيقية تقاتل لصالح العمال ومن أجل مصالحهم.

من هنا ظهرت فكرة النقابات المستقلة، وهنا مستقلة معناها الاستقلال عن نفوذ أصحاب الأعمال والدولة والقوى السياسية المعادية للعمال. نقابات تعمل لمصالح العمال.

لكن الحقيقة أن الاستقلال وحده لا يكفي ولا يضمن عدم انحراف النقابة. استقلال بدون سيطرة من العمال العاديين على الأمور ليس محصنا ضد الانحراف. عشان كده ممكن إنه بس لما ينجح العمال في منع قيادتهم من التحول إلى نخبة مفصولة عنهم، سواء بتقويمهم أو بتغييرهم، في هذه الحالة فقط يمكن للنقابة أن تكون حرة مستقلة.

هيثم جبر

 


هي العلاوة فين؟

16 أكتوبر 2009

بمناسبة عيد العمال، ألقى الرئيس مبارك “خطابا سياسيا مهما”. أهم حاجة في الخطاب “المهم” هي إن مبارك، إلى جانب التلقيح على حزب الله والمطالبة بشد الحزام، أعلن إنه هيبقى فيه علاوة اجتماعية، لكن هو مش عارف كام!

بعديها بكام يوم جت الحكومة بالقرار: 5%. طبعا دش بارد على دماغ العمال والموظفين والمهنيين.

لكن ليه دش بارد؟ فيه ناس بتقول: إزاي يدينا 5% السنة دي بعد ما إدانا 30% السنة اللي فاتت. طيب وإنتوا فاكرين اللي حصل السنة اللي فاتت؟ فاكرين إنه بعد ما إدانا العلاوة إزاي ارتفعت الأسعار واشتغلت الجباية، وكانت مسخرة محدش مصدقها.

الكلام ده ليه معنى. لأنه بيوضح إن أصل المشكلة هي إنه لما العمال والموظفين بيناضلوا عشان يزوّدوا أجور شركتهم أو المصلحة اللي بيشتغلوا فيها، ولما بينتصروا وبياخدوا اللي عايزينه كله، حتى ساعتها النتيجة مش دايما بتبقى في صالحهم! إزاي؟

لأن الأسعار بتزيد والضرايب بتزيد والمكتسبات بتقل. فبتلاقي نفسك خدت 10% زيادة في مرتبك. لكن سعر العيش والزيت والفول وكل حاجة زاد. وكمان بتلاقي التعليم هباب ولازم تدي دروس أكثر لعيالك، والعلاج سعره بيعلى وتكلفته بتزيد، وغيره وغيره.

القربة مخرومة وكل ما نملاها بتفضى. ده بالضبط هو اللي بيدّخل السياسة في الموضوع. لأنه عشان ناخد حقوقنا فعلا لازم مش بس نطالب بزيادة أجر شركتنا لوحدها. لأ، لازم كمان نضمن إن الأسعار متزيدش، ونضمن إن الضرايب متزيدش، ونضمن إن مصاريف الجامعة متزيدش، ونضمن إن التأمين الصحي ميتباعش، وغيره من الحاجات اللي بتاكل من ميزانيتنا.

طيب وإزاي نعمل ده؟ مفيش حل غير إن إحنا نخرج بره سور شركتنا ونبص على ما هو أوسع من مصلحتنا المباشرة الصغيرة. بالبلدي كده، المطلوب هو إن إحنا نرفع مطلب أكبر وأوسع من مطلب رفع الحافز في شركة كذا أو كيت. مطلوب إن إحنا نعمل “برنامج” محدد وقصير نطالب فيه إن الأجور تزيد بنسبة كذا، لكن بشرط إن الأسعار تفضل ثابتة، أو إنه لما تزيد الأسعار تزيد الأجور بنفس النسبة؛ كمان نطالب بأن الخدمات الاجتماعية (تعليم، صحة، مواصلات، وغيره) تفضل تكاليفها ثابتة ومستواها ثابت.

هي دي بالضبط السياسة، إن إنت تعرف إنه مش كفاية تطالب إدارة مصنعك بمطالب تخص مصنعك بس. إنك تفهم إنه لازم تطالب “حكومتك” بمطالب تخص “الشعب كله”، وتفهم إن المطالبة دي مهياش رفاهية أو تدخل فيما لا يعنيك، وإنما هي الطريقة الوحيدة لتحقيق مصلحتك المباشرة.

اللي بيحكمونا ناس مش بتهرج. الناس دي مش شغالة بالقطّاعي. الناس دي بتقعد على ترابيزة واحدة تدرس الوضع في البلد كلها. فلما بتلاقي مصنع ورا مصنع بيزود أجور العمال تحت ضغط الإضرابات، بتروح مخططة لزيادة الأسعار ونهب الفلوس من تاني.

إذا كانت الناس دي بتخطط وشغالة بشكل منظم وجماعي وعلى مستوى البلد كلها، فإحنا عمرنا ما هنجيب حقنا بالقطاعي بس. القطاعي بداية رائعة. إضرابات المطالب الجزئية ضرورية وهي أصل كل حاجة. إحنا ما بنقولش لأ. لكن هي برضه خطوة على الطريق. والخطوة التانية هي تجميع الأجزاء وتوحيد الصورة والبنا على اللي فات.

يا سلام كده لو شفنا عمال شركة ورا شركة، وموظفي هيئة ورا هيئة، انضموا لبعض وكونوا حركة واحدة رفعت مطالب واحدة. تخيلوا التأثير. تخيلوا الرعب في عيون اللي قاعدين يخططوا لخطف العلاوة وأي زيادة في الأجور.

المشكلة يا جماعة مش بس في إن العلاوة السنة دي قليلة. المشكلة كمان هي إن كل وأي علاوة هتتنهب لو ما اتحركناش بشكل أوسع وأكبر، خصوصا اليومين دول لأن الأزمة الاقتصادية هتخلي الدولة تسن أسنانها ويوسف بطرس غالي “يقدح زناد فكره” لابتكار خطط لشفط اللي في جيوبنا.

عشان كده تعالوا بينا نفكر في طريقة نشتغل بيها “على الواسع”. تعالوا بينا ناخد خطوة تانية لقدام.


خللي بالك! (1): تعمل إيه لو اتفصلت من شغلك

23 مارس 2009

إعداد مالك عدلي

خللي بالك!

(1)

تعمل إيه لو اتفصلت من شغلك؟

عزيزي العامل المصري

في ظل نظام بيستهتر بمصلحتك وبلقمة عيشك وحاطط رقبتك في إيد اللي يسوى واللي ما يسواش… نظام باع مصانعنا وشركاتنا بالرخيص… نظام آخر حاجة بيفكر فيها هو إنت، ويمكن ما بيفكرش خالص… نظام كل همه يريّح رجال الأعمال ويزود مكاسبهم… في ظل كل ده حبينا نوجه ليك كام معلومة مهمة، يمكن ينفعوك لو إتعرضت لإجراء مش بعيد إن أي حد يتعرض ليه اليومين دول: وهو الفصل من العمل.

عزيزي العامل: هل تعلم إن صاحب العمل (اللي هو رئيس مجلس إدارة شركتك أو صاحبها) مش من حقه إنه يفصلك من عملك وإن قانون العمل بينصّ علي إن جزاء الفصل من الخدمة مفيش حد يملك يوقعه عليك غير المحكمة؟

طيب وإيه هي أسباب الفصل اللي نص عليها القانون؟

1.      إذا ثبت انتحال العامل لشخصية غير صحيحة أو قدم مستندات مزورة.

2.   إذا ثبت إرتكاب  العامل لخطأ نشأت عنه  أضرار جسيمة لصاحب العمل، بشرط أن يبلغ صاحب العمل الجهات المختصة بالحادث خلال أربع وعشرين ساعة من وقت علمه بوقوعه.

3.   إذا تكرر من العامل عدم مراعاة التعليمات اللازم إتباعها لسلامة العمال والمنشأة – بشرط أن تكون  هذه  التعليمات مكتوبة ومعلنة في مكان ظاهر – رغم التنبيه عليه كتابة بمراعاة ذلك.

4.   إذا تغيّب العامل بدون مبرر مشروع أكثر من عشرين يوما متقطعة خلال السنة الواحدة أو أكثر من عشرة أيام متتالية، على أن يسبق الفصل إنذار كتابي بخطاب موصى عليه بعلم الوصول من صاحب العمل للعامل بعد غيابه عشرة أيام في الحالة الأولى، وبعد غيابه خمسة أيام في الحالة الثانية.

5.      إذا ثبت أن العامل أفشى أسرار المنشأة التى يعمل بها وأن هذا أدى إلى إحداث أضرار جسيمة بالمنشأة.

6.      إذا قام العامل بمنافسة صاحب العمل في ذات نشاطه.

7.      إذا وُجد العامل أثناء ساعات العمل في حالة سكر بيّن أو متأثرا بما تعاطاه من مادة مخدرة.

8.      إذا ثبت اعتداء العامل على صاحب العمل أو المدير العام، وكذلك إذا وقع منه اعتداء جسيم على أحد رؤسائه أثناء العمل أو بسببه.

9.   إذا لم يراع العامل الضوابط الواردة في المواد من (192) إلى (194) من الكتاب الرابع من قانون العمل اللي بتتكلم عن مخالفة قواعد الإضراب عن العمل.

وفي غير الحالات التسعة دي ما ينفعش تتفصل من شغلك وإلا ده يبقي فصل تعسفي… وكمان لو فصلك صاحب العمل بدون الرجوع للمحكمة يبقي ارتكب جريمة يتحاسب عليها بغرامة لا تقل عن 100 جنيه ولا تزيد عن 500 جنيه ومن حقك تروح تعمل له محضر في القسم والنيابة ها تكمل الباقي.. ولو عملها تاني تتضاعف الغرامةّ!

طبعا إنت مش مصدّق… بس القانون بيقول كده والله!

طيب – لا قدر الله – لو اتعرضت لفصل تعسفي تعمل إيه؟

أول حاجة تعملها إنك تقدم شكوى في مكتب العمل اللي إنت تابع ليه خلال عشرة أيام من تاريخ علمك بقرار فصلك أو منعك من دخول شغلك، ولو كان الفصل عن طريق منعك من دخول شغلك يبقي كمان تحرر محضر إثبات حالة في القسم الموجود في دايرته المصنع، وبعدين تقدم الشكوى في مكتب العمل.

طيب ولو ما قدمتش الشكوى لمكتب العمل خلال العشر تيام أو لو رفض مكتب العمل ياخد الشكوى منك؟

ما تخافش حقك ما ضاعش… لأنك ممكن ترفع دعوى قدام المحكمة خلال خمسة وأربعين يوم من تاريخ وصول قرار الفصل ليك أو من تاريخ منعك من دخول شغلك.

طيب والدعوى دي مصاريفها كتير؟

علي فكرة القضية ملهاش مصاريف لإن ليك الحق في الإعفاء من مصاريف التقاضي في القضايا اللي من النوع ده.

طيب والقضية بتقعد قد إيه؟

هيا بتاخد لها من سنة لسنتين.

(ياه دي مدة طويلة ووجع دماغ: وأنا هعمل إيه خلال السنتين دول؟)

ما تقلقش: القانون بيقول إن ليك تعويض مؤقت قدره 12 شهر من أجرك الشامل تاخده والقضية شغالة، ده إذا زادت مدة خدمتك عن سنة. ولو كانت المدة أقل بتاخد مبلغ يعادل أجرك الشامل عن مدة قد اللي قضيتها في الخدمة. وكمان إنت ليك تعويض عن الفصل التعسفي وممكن يبقي مبلغ كويس… وأهو من ناحية تأديب لصاحب العمل، ومن ناحية تانية هو مبلغ هيساعدك في الحياة… وعموما إنت اتفصلت ومش ها تخسر حاجة لما تحاول.

طيب وهوا المفروض لو صاحب الشغل عايز ينهي خدمتك يعمل إيه؟

بص يا عم: إذا كان العقد بتاعك مش محدد المدة (متثبت يعني) هو مش من حقه أصلا يفصلك إلا لو عملت حاجة من التسع حاجات اللي قلنا عليهم، أو لو ثبت عدم كفاءتك طبقا للائحة العمل… وعلشان ينهي خدمتك لازم يخطرك قبلها بثلاث شهور لو مدة خدمتك زيادة عن 10 سنين متصلة، وقبلها بشهرين لو مدة خدمتك أقل من عشر سنين.

طيب ولو عقد العمل محدد المدة؟

يبقي ينتهي بانتهاء مدته، ولو انتهت المدة وكملت في شغلك يبقي كده العقد بتاعك بقى غير محدد المدة.

طيب لو عقدي انتهى لسبب ما ليش يد فيه ومش لاقي شغل أعمل إيه؟

محلولة… إنت تطلع علي صندوق التأمين من البطالة، وهو هيصرف لك 60% من آخر أجر ليك لمدة 16 أسبوع لحد ربنا ما يكرمك وتلاقي شغل، ولو مدة اشتراكك في التأمين عدت 24 شهر، يبقي هيصرفولك لحد 28 أسبوع بس بشروط هي:

1-      إنك ما تكونش قدمت استقالة.

2-      إن مدة خدمتك ما تكونش انتهت نتيجة حكم نهائي عليك في جنحة أو جناية ماسة بالشرف أو الأمانة أو الآداب العامة.

3-      إنك تكون مشترك في التأمين لمدة 6 شهور علي الأقل منها الشهور الثلاثة السابقة علي تعطلك عن العمل.

4-      إنك تكون قادر علي العمل وراغب فيه.

5-      إنك تكون سجلت اسمك في سجل المتعطلين بمكتب القوي العاملة المختص.

6-      إنك تتردد علي مكتب القوي العاملة اللي سجلت فيه اسمك في المواعيد اللي هيقولولك عليها.

وأقدر من إمتى أصرف التعويض ده؟

من ثامن يوم بعد تاريخ انتهاء خدمتك.

طيب فيه حاجة غريبة بتحصل اليومين دول وهي إن أصحاب العمل بيمشّوا العمال ويقولوا إن ده بسبب الأزمة الإقتصادية.. هما ليهم حق؟

بص يا عم: العملية مش سايبة، وعلشان صاحب العمل يسرّح عمال من عنده بسبب ظروف اقتصادية فيه إجراءات لازم يعملها: لازم يتقدم بطلب للجنة تشكل لهذا الغرض، واللجنة بترد في خلال 30 يوم، واللجنة لازم يكون من ضمن أعضائها ممثل عن منظمتك النقابية، ولو وافقت اللجنة علي طلبه وكنت إنت لا قدر الله من اللي ها يسيبوا الشغل، فانت ليك حق هو: مكافأة تعادل الأجر الشامل لشهر عن كل سنة من السنوات الخمس الأولى من سنوات الخدمة وشهر ونصف عن كل سنة تزيد عن ذلك.

وخد عندك المعلومة دي كمان: تعرف إن فيه صندوق معمول علشان يساعد العمال في الحالات اللي زي دي اسمه “صندوق إعانات الطوارئ للعمال” وبيتمول من مرتبات العمال وشروط الصرف منه كالآتي:

1-   يتم النظر في الحالات المطلوب صرف الإعانة لها استنادا إلي تقرير تتقدم به إنت لصندوق النقابة العامة المعنية أو المنشأة مرفقا به نموذج طلب الإعانة.

2-   تصرف الإعانة لمدة 6 أشهر كحد أقصي إلي أن يتم اعادة تشغيل المنشأة أو إلى حين حصولك علي فرصة عمل بديلة، والصرف بيكون بواقع 75% من الأجر الأساسي بحد أدني 150 جنيه شهريا وحد أقصي 1000 جنيه شهريا.

3-      لازم يكون متأمن عليك.

4-      لازم تكون قضيت بالمنشأة مدة لا تقل عن سنة علي الأقل.

مش ملاحظ حاجة؟ إنك علشان تصرف تأمين البطالة أو الطوارئ لازم يكون متأمن عليك وإحنا عندنا مشكلة: إن فيه كتير من أصحاب الأعمال ما بيأمنوش علي العمال اللي عندهم… طيب إيه الحل؟

أولا لازم تعرف إن عدم التأمين على العمال جريمة يتحاسب عليها صاحب العمل، وإنت ما عليك إلا إنك توصّي واحد قريبك من بعيد أو واحد صاحبك يشتكي صاحب العمل في التأمينات وهما هيقوموا باللازم.

طيب لو حصلت ظروف في الشغل واتنرفزت ورحت مقدم استقالتك وعايز تلحق نفسك؟

ما تقلقش… القانون بيقول إن استقالتك لا يعتد بيها إلا إذا كانت مكتوبة، وكمان ليك الحق ترجع فيها بطلب مكتوب خلال أسبوع من تاريخ إخطار صاحب العمل ليك بقبول استقالتك.

طيب إحنا ساعات كتير بنعمل إضرابات علشان ناخد حقوقنا والناس بتهددنا وما بنبقاش عارفين راسنا من رجلينا… هل ده قانوني؟

بص يا عم: القانون بيقول إن إنت ليك الحق في الإضراب السلمي دفاعا عن مصلحتك المهنية والإقتصادية والإجتماعية. وطبعا فيه شرط هو إنك تنظم اضرابك عن طريق لجنتك النقابية، ودول أحيانا بيبقوا ناس منك وعليك وممكن ما يمانعوش في الإضراب، وساعتها هما بيخطروا النقابة العامة اللي بتخطر صاحب العمل بعد موافقتها علي الإضراب… وكل الحكاية إن الأيام اللي إنت أضربت فيها عن العمل هتتحسب أجازة بدون أجر.

لكن لأن الدولة بتاعة رجال الأعمال وأصحابهم، ففيه مشاكل لازم نعرفها… أولا إن معظم النقابات بترفض الإضرابات، وثانيا إن فيه قرار من رئيس مجلس الوزراء بيحظر الإضراب عن العمل في المنشآت الحيوية أو الإستراتيجية زي المستشفيات والصيدليات والمخابز والمطارات ووسائل نقل البضائع.

لكن هو المشاكل دي كانت منعت حد من إنه يضرب؟ وهل كان اللي أضربوا انضروا بالإضراب؟ بالعكس دول خدوا حقهم.

عشان كده لازم نتأكد أن كل المشاكل دي مجرد كلام… الصيادلة أضربوا ما حدش عمل لهم حاجة… المراقبين الجويين أضربوا ما حدش عمل لهم حاجة… وقبلهم عمال المحلة وموظفي الضرائب العقارية أضربوا وما حدش عمل لهم حاجة… خد حقك يا عم.

أخيرا عزيزي العامل لازم تتأكد إن ليك حقوق كتير قوي، بعضها القانون مقررها لك بالرغم من إن القانون غالبا بيحمي الإغنياء مش الفقرا… فلازم تعرف حقوقك دي، ولازم تستغل المتاح في القانون.. ولازم تناضل وتنتصر عشان هو ده اللي ها يخلي مصر بتاعتنا فعلا مش بتاعة “الناس التانيين”!

 


سلطة رأس المال وتكبيل المارد الشعبي في مصر

28 يونيو 2008

 

عطية الصيرفي

جريدة البديل – 26 يونيو 2008

 

 

 

باعتباري عاملا يساريا فقد تأملت وتأملت أحوال مصر المعاصرة، مصر مبارك، مصر تحالف العسكر ورأس المال، وما جري فيها من أهوال تجعل الولدان شيبا، حيث الفقر، والقهر، والبطالة، والعنوسة، والجوع، والغلاء مما أدي إلي تفشي الصراع الطبقي وإضراباته ومظاهراته العمالية والشعبية بالإضافة إلي الاحتجاجات الفلاحية في الريف المصري.

 

ومن ثم أدركت سلطة العسكر ورأس المال خطورة الصراع الطبقي وإضراباته ومظاهراته، وثوراته العمالية، والفلاحية، والشعبية باعتباره القوة المحركة للتاريخ. وهذا ما دفعها إلي تغيير مساره الطبيعي وقصده الاجتماعي بحيث ارتد إلي أهله من عمال وفلاحين وعوام يمثلون القوي الكادحة والمنتجة الأكثر عدداً والأشد فقراً في مصر المعاصرة.

هذه القوي قد انقلبت علي نفسها في صراعات ونزاعات يشهدها يومياً القاع الاجتماعي المصري وتنتهي في أقسام الشرطة والمحاكم التي تنظر قرابة 15 مليون قضية سنوياً تعبر عن نزاعات منحرفة وغير سوية.

هكذا فعلت سلطة العسكر، ورأس المال، وهكذا تخيلت أنها أمنت وجودها الطبقي والطفيلي والسلطوي بتكبيل المارد الشعبي في أغلال همومه ونزاعاته وخصوماته التافهة جداً، حتى فوجئت بأن الصراع الطبقي قد صحح مساره وحدد قصده من خلال الاحتجاجات الديمقراطية في القاهرة والمدن الكبرى، والاحتجاجات الفلاحية في الريف المصري، والإضرابات والمظاهرات العمالية في المناطق العمالية والصناعية.

عندئذ أدركت سلطة العسكر ورأس المال أن الصراع الطبقي هو القوة المحركة للتاريخ مما دفع هذه السلطة الديكتاتورية إلي تفجير حقدها الطبقي وغضبها السلطوي في مواجهة إضرابات يوم 6 أبريل 2006 التي أدت إلي حدوث الانتفاضة العمالية والشعبية في مدينة المحلة مدينة الصراع الطبقي. حيث تصدت للجماهير العمالية والشعبية بعنف صارخ ومجنون بصدور الأمر للجنود الشبان والبسطاء بإطلاق النار...
نار طلقات رصاص الخرطوش علي وجوه المتظاهرين حتى تتبعثر علي الوجوه فتخلع العيون خلعاً وتؤدي إلي العمى بأمر سلطوي مجنون أدي إلي إصابة العديد من شباب عمال المحلة وأبنائها بالعمى، هذا العمى المتعمد كان بمثابة رسالة تحذيرية إلي القوي الوطنية واليسارية والعمالية والفلاحية المعارضة مفادها أن الصراع الطبقي والديمقراطي والشعبي سيواجه بصراع طبقي سلطوي بالرصاص المسنود بالطوارئ. ولكن هذه الرسالة التحذيرية سوف تذهب أدراج الرياح لأن صراع الطبقات الفقيرة والكادحة لم ولن يعتريه الأفول في الماضي والحاضر والمستقبل باعتباره رد فعل طبيعيا لاستغلال الإنسان للإنسان وظلم الإنسان للإنسان.

وللأسف فإن بعض شخصيات القوي الوطنية واليسارية رفضت الاشتراك في انتفاضة المحلة بذريعة أنها لم تستشر، ولم تحظ بالموافقة والمباركة! منهم هؤلاء الأفندية الذين يرفضون التحريض باعتباره مغامرة علماً بأن الثورة وأي ثورة هي مغامرة.

ومما يذكر أن كارل ماركس قد اعتبر ثورة عمال كوميونة باريس سنة 1871، التي قامت بها مجمل القوي العمالية والاشتراكية وقتئذ، مغامرة. ولكن سرعان ما تخلي عن هذا الرأي الخاطئ واحتضنها تماماً. كما أن الرفيق لينين قد ألزم الحزب الاشتراكي الروسي بالمشاركة في المغامرة التآمرية، مغامرة يوم الأحد الدامي التي دبرها القسيس القيصري الأب جابون بدعوته عمال روسيا بالقيام بمظاهرة سلمية ومطلبية تذهب إلي القصر القيصري يتقدمها حملة الأناجيل. وما إن اقتربت المظاهرة من القصر حتى فوجئ المتظاهرون العمال بإطلاق مدافع القصر عليهم فمات المئات من العمال الذين كان من بينهم أعضاء الحزب الاشتراكي الروسي.

وللأسف أيضاً فإن السادة الأفندية من مثقفي السلطة الذين أدانوا انتفاضة مدينة المحلة الأخيرة بذرائع مختلفة، فإن إدانتهم هذه قد طفحت من فزعهم من تصاعد الصراع الطبقي، مما سوف يؤدي إلي وقوع قارعة في مصر المعاصرة.. علماً بأن هؤلاء المثقفين السلطويين، وعلي رأسهم مبتدعو مقولة الشوارعيزم دعاة قانون الطوارئ واستمراره، قد غفلوا عن ظاهرة الصراع الطبقي بواسطة الجريمة التي تمارسها الرأسمالية الطفيلية الحاكمة والمالكة بفجر ووقاحة وانحطاط في مصر المعاصرة، من خلال الفساد الذي بات وباء سرطانياً. علماً بأن الصراع الطبقي بالجريمة قد عرفه العرب في الجاهلية والإسلام بواسطة غارات الشعراء الصعاليك المعروفين بذؤبان العرب ولصوص العرب الذين كانوا يسرقون الأغنياء دون الفقراء، مثل السليك والشنفري وتأبط شراً الظريف، والذين كانوا يحرضون شباب العرب علي الصراع الطبقي ضد الفقر بواسطة اللصوصية. حيث يقول الشاعر الصعلوك أبو النشناش، فلم أر مثل الفقر ضاجعه الفتي، ويقول سيد هؤلاء اللصوص عروة بن الورد قولته الاشتراكية الخالدة، أقسم جسمي في جسوم كثيرة بمعني أن كل ما يسرقه يوزعه علي الفقراء ولا يخصه إلا ما يكفي جسده تعبيراً عن اشتراكيته الفطرية.

ولقد تكررت هذه الظاهرة في إنجلترا بظهور عصابة روبين هود التي كانت تمارس الصراع الطبقي بسرقة الأغنياء لصالح الفقراء الإنجليز، كما تكررت أيضاً في مصر الحديثة من خلال نشاط عصابات أدهم الشرقاوي والخط، وابن بمبه وغيرها، بالإضافة إلي نشاط اللص الشريف حافظ نجيب.

ذلك هو الصراع الطبقي الذي كان يحظي بالقبول من الفقراء رغم أنه قد تم بواسطة الجريمة التي كانت موجهة إلي الشبعى والأغنياء، بينما الصراع الطبقي بالجريمة هو جريمة الفساد الحالية الذي يتفشي في مصر المعاصرة مرفوض من الطبقات الأجيرة والفقيرة لأنه موجه ضد المصالح الحياتية والشعبية لهذه الطبقات،.وحتي الصراع الطبقي بالجريمة المسلحة الذي تزايد في هذه السنوات بهدف نهب الأرض والبنوك ومحلات الذهب وغيرها هو صراع مدان لانحرافه عن مساره، وهدفه ومضمونه الاجتماعي.

ومن ثم فإن مصر المعاصرة، مصر العسكر ورأس المال، في حاجة إلي تعظيم التحريض الثوري والشعبي حتى يتزايد صراع الطبقات الشعبية السوي والمطلوب.. حتى تحدث القارعة.. قارعة الثورة والتغيير التي سوف تأتينا بالخبز والحرية.

 

للدخول إلى الصفحة الرئيسية


السادس من أبريل والعصيان المدني والإضراب العام!

25 مايو 2008

 

 

مقال ل غادة طنطاوي

خاص لتضامن

 

أصبح تعبير العصيان المدني يستخدم بشكل واسع في مصر منذ الفترة السابقة على أحداث 6 إبريل وما بعدها. وفي ظل تصاعد الحديث عن العصيان كسبيل للمقاومة، والحاجة إلى تقييم تجربة 6 إبريل من أجل المضي قدماً خطوات إلى الأمام، يبدو على درجة كبيرة من الأهمية مناقشة ماذا يعني بالتحديد العصيان المدني، وكيف تم استخدامه تاريخياً، إلى أي مدى نجح أو فشل كطريق للمقاومة.

 

المقاومة السلبية غير العنيفة

فكرة العصيان المدني أسس لها كاتب أمريكي في القرن التاسع عشر هو هنري ديفيد ثورو. وترتكز هذه الفكرة على المقاومة السلبية للنظام المراد مواجهته، بمعنى أنه لو نجحت المعارضة في إقناع الشعب برفض التعامل مع النظام، وقطع أواصر الصلة معه، فإن ذلك كفيل بأن يؤدي في لحظة إلى هزيمته ومن ثم انهياره.

 

وتعد تجربة الهند هي التجربة الأهم في العصيان المدني. فبالرغم من حدوث عدد من محاولات العصيان من جانب السود في أمريكا في نهاية القرن التاسع عشر، فإن تجربة غاندي هي أول تطبيق لهذا النهج على نطاق واسع.

 

فقد تبنى حزب المؤتمر بزعامة غاندي نهج المقاومة السلبية، التي عرفت بسياسة اللاتعاون في مواجهة الاحتلال البريطاني بداية منذ العشرينيات من القرن العشرين، وبلغ هذا النهج ذروته في الثلاثينيات. وارتكزت المقاومة السلبية على عدد من الإجراءات التي تهدف في الأساس إلى مقاطعة الإدارة الاستعمارية البريطانية. وأهم هذه الإجراءات كانت مقاطعة المنسوجات البريطانية والعودة إلى إنتاج المنسوجات محلية الصنع باستخدام النول اليدوي، ومقاطعة المحاكم، وترك الوظائف الحكومية، وعدم دفع الضرائب، وإخراج الأطفال من المدارس الحكومية. وكانت الفكرة الأساسية وراء هذا النوع من المقاومة، هي أن تلك الإجراءات سوف تسبب خسائر للاحتلال البريطاني مما يجعله في النهاية يقرر الرحيل.

 

وإلى جانب المقاطعة، فإن الشق الثاني للعصيان هو التمسك بالطبيعة غير العنيفة للمقاومة، حتى لو استخدم الطرف الآخر العنف بكافة أشكاله. لذلك فإننا نجد أن أتباع غاندي كانوا يقفون صامدين أمام الجلد واستخدام الرصاص من جانب الجنود البريطانيين.

 

وإذا ما قيمنا تجربة العصيان المدني في الهندن يتبين أن أكثر الإجراءات نجاحاً كانت مقاطعة منتجات النسيح البريطانية، لأن استيراد المنسوجات البريطانية كان قد أحدث أضراراً بالغة بالمنتجين المحليين، ومن ثم كانت الاستجابة الواسعة لدعوة غاندي التي أدت إلى إحياء صناعة المنسوجات الوطنية. من ناحية أخرى، لم تؤد الدعوة إلى عدم دفع الضرائب وترك الوظائف الحكومية وإخراج الأطفال من المدارس الحكومية إلى نجاحات مثيلة. فعدم دفع الضرائب قوبل برد فعل عنيف من جانب الإدارة البريطانية، بينما لم تكن هناك بدائل يمكن الاعتماد عليها فيما يتعلق بالوظائف والمدارس.

 

من ناحية أخرى، فقد واجه غاندي انتقادات عنيفة من قبل الفصائل الأخرى من الحركة الوطنية التي اعتبرت أن إصراره على تبني المقاومة السلبية، قيد قدرات الشعب في المضي قدما في النضال من أجل الاستقلال. وعلى سبيل المثال أعلن غاندي تراجعه عن الدعوة للعصيان المدني في فبراير عام 1922 بعدما قام الفلاحون في أحدى القرى بالتصدي لعنف الشرطة، وقتل عدد من رجالها.

 

من ناحية أخرى، لم ترتكز حركة العصيان على قوى اجتماعية معنية كما لم تتبن مطالب اجتماعية. فقد تجاهل غاندي حركة النقابات العمالية المتنامية منذ بداية العشرينيات، وكذلك الانتفاضات الفلاحية ضد الإقطاعيين. ومن ثم لم يتبن غاندي أية دعوى للإصلاح الزراعي، أو يتخذ موقفاُ مساندا للإضرابات الواسعة لعمال الصناعة والنقل والمناجم في بداية العشرينيات. ولم تكن تلك مصادفة، فسياسة العصيان أو اللاعنف ترتكز على مفهوم “الأمة” ككل، ومن ثم تضع جميع الطبقات في سلة واحدة.

 

ويبقى السؤال الأهم هو هل نهج العصيان المدني هو الذي حرر الهند من الاستعمار البريطاني؟ رغم أنه لا يمكن إنكار دور حركة المقاومة السلبية في مقاومة الاستعمار، إلا أنه يصعب القطع بأن هذه الحركة وحدها هي التي حررت الهند من الاستعمار البريطاني. فقد تم تبني هذه السياسة في العشرينيات وبلغت ذروتها في الثلاثينيات كما سبق القول، في حين أن استقلال الهند تم في عام 1947.

 

ومن ثم يجب النظر لاستقلال الهند في سياق الضعف الذي انتاب الإمبراطورية البريطانية مع نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث باتت آنذاك غير قادرة على تحمل أية مقاومة، ومن ثم أصبح التخلي عن الاستعمار العسكري واستبداله بنوع آخر من العلاقة مع المستعمرات يقوم على التبعية الاقتصادية هو مسألة أقل تكلفة من الاستعمار المباشر. وليس مصادفة أن بريطانيا فقدت الغالبية العظمى من مستعمراتها في السنوات التالية للحرب العالمية الثانية، وهو نفس ما حدث لفرنسا.

 

التجربة الثانية المهمة للعصيان المدني تبنتها حركة الحقوق المدنية في أمريكا بزعامة مارتن لوثر كينج في الخمسينيات والستينيات. فقد تبنى مارتن لوثر كينج نهج المقاومة السلبية من أجل تحقيق المساواة بين البيض والسود. ونجحت التجربة في عديد من الحالات في التخلص من مظاهر التمييز ضد السود. فعلى سبيل المثال، قرر السود في مدينة مونتجمري مقاطعة الأوتوبيسات العامة بسبب عزل السود عن البيض بداخلها. وإزاء انخفاض الإيرادات الناجم عن تلك المقاطعة، تم التخلي عن سياسة الفصل.

 

كما نجح هذا النهج في عدد من جامعات الجنوب الأمريكي حيثما كان يتم الفصل بين الطلاب البيض والسود في المطاعم. وقام السود من الاعتصامات داخل المطاعم وتم الرد بإجراءات عنيفة من جانب الشرطة لم يقاومها الطلاب لتمسكهم برؤية كينج بعدم اللجوء إلى العنف. وبعد ستة اشهر من الاعتصامات المتواصلة، تراجعت إدارت كثير من الجامعات في الجنوب، عن الفصل بين السود والبيض.

 

ودعا كينج إلى مقاطعة السود الأمريكيين، وهم يمثلون 10% من السكان، لبضائع الشركات المعادية لحركة الحقوق المدنية. وكان كينج وراء انتخاب أغلبية السود لجون كيندي عام 1960، والذي وعد خلال حملته الانتخابية بإقرار قانون الحقوق المدنية. وإزاء المقاومة التي واجهها كيندي داخل الكونجرس، تم تنظيم مسيرات ضمت مئات الآلاف في عام 1963، صمدت في وجه القمع البوليسي. وعقب اغتيال كيندي في عام 1963، استطاع خليفته جونسون الذي كان يحظى بنفوذ واسع داخل الكونجرس تمرير قانون الحقوق المدنية الذي جعل التفرقة بين السود والبيض في الأماكن العامة أمراً غير قانوني. وفي العام التالي بفعل المسيرات التي قام بها السود أُقر قانون حقوق التصويت الذي تعطي السود والبيض حقوقا متساوية.

 

غير أن المسألة لم تتوقف عند قانون حقوق التصويت. ففي النصف الثاني من الستينيات، انضم كينج إلى الحركة المناهضة لحرب فيتنام. وخطا كينج خطوات إلى الأمام حينما أعلن انحيازه إلى الفقراء والمقهورين. وفي عام 1968 ساند بقوة الإضراب الذي قام به عمال الخدمات الصحية في ممفيس. وهنا أدركت الطبقة الحاكمة الأمريكية أنه أصبح يمثل خطراً على مصالح الرأسمالية الأمريكية، يعد هناك مجالا للتسامح مع مارتن لوثر كينج، فتم اغتياله عام 1968 بعد إعلانه مساندة إضراب ممفيس بفترة وجيزة جدا.

 

ولم تكن هذه مصادفة، ذلك أن الإضراب هو نوع آخر مختلف جذرياً عن المقاومة السلبية لأنه يتم في مواقع العمل ويعتمد على الجماهير العاملة التي يمكنها أن تشل عجلة الاقتصاد، وتلحق أضراراً خطيرة بالرأسمالية. كما أنه يمكن أن يتطور ليتضمن مقاومة قمع الدولة عبر التمترس في المصانع واحتلالها إذا استدعى  الأمر.

 

وتطرح هذه التجارب مدى قدرة استراتيجية العصيان المدني أو المقاومة السلبية على تحقيق التغيير. فالبرغم من أن هذه استراتيجية حققت بالفعل مكاسب، إلا أنها تظل نجاحات محدودة ورهن ظروف دقيقة واستثنائية، سواء تتعلق بضعف وتهاوي الطبقات الحاكمة أو تلاقي الدعوة للعصيان مع ضرورات تطور المجتمع كما حدث في تجربة الحقوق المدنية الأمريكية. غير أن الفكرة الأساسية في العصيان، وهي المقاومة السلبية تفترض أن مقاطعة النظام ورفض التعاون معه سيدفعه طواعية إلى التراجع، وتتجاهل أن النظام لن يقبل التخلي عن وجوده بسهولة، ولن يتردد في استخدام أكثر الوسائل عنفاً وتوحشاً حال شعوره بوجود تهديد حقيقي.

 

تجربة 6 إبريل

بدأت الحديث عن 6 إبريل كما نعلم جميعاً، عندما أعلن عمال المحلة أنهم سضربون في السادس إبريل. وتحولت الدعوة من إضراب عمال المحلة، إلى إعلان السادس من إبريل يوماً للعصيان المدني، تحت شعار “خليك في البيت”، ودعا البعض إلى الإضراب العام، وحدث كثير من الخلط بين المفهومين بحيث أصبحا تستخدمان بنفس المعنى تقريباً. وإزاء شعور الكثير من المصريين بالسخط نتيجة الارتفاع المتواصل في الأسعار، وفي نفس الوقت، نتيجة التهديد الذي أطلقته وزارة الداخلية بعدم التهاون مع مثيري الاضطرابات، لزم الكثير من المصريين المنازل ومنعوا أولادهم من الذهاب إلى المدارس. ومن ثم بدت كثير من المدن خالية من الناس والسيارات. ومع اختلاف التقييمات لمدى نجاح الدعوة إلى الاعتصام قد يكون مفيداً الإشارة إلى عدد من الأمور.

 

أولاً كان 6 إبريل مؤشراً أيجابياً، حيث أن درجة الاستجابة من ناحية، وحجم التعاطف الواسع الذي شهدته الدعوة إلى الاعتصام، حتى من جانب من لم يشاركوا به، عبرت نوع من الاحتجاج الجماعي لم يكن مألوفاً.

 

من ناحية أخرى، علينا أن نجيب عن السؤال الآتي: هل كان ما حدث هو التجاوب الأمثل مع دعوة عمال المحلة للإضراب؟ يبدو أن الدعوة كانت سابقة لأوانها إلى حد كبير. فربما كان التجاوب الأفضل الكفيل بدفع الحركة خطوة إلى الأمام، هو جعل المحلة بؤرة الاحتجاج وإعلان مصانع أخرى حتى لو معدودة الإضراب للتضامن مع المحلة. الملاحظة الثالثة هي أن هناك حالة من الإحباط سادت بين المصريين بعد 6 إبريل، سواء من جانب من شاركوا في العصيان أو من لم يشاركوا. فقد كان الرأي السائد هو أن الاعتصام لم يحقق شيئاً، وهو ما يفسر عدم التجاوب مع دعوة 4 مايو.

 

وأخيراً تطرح مسألة 6 إبريل قضية أخرى مهمة هي جدوى العصيان المدني كوسيلة للمقاومة. فلو تخيلنا أن كل المصريين كانوا قد مكثوا في البيت في 6 إبريل، هل كان ذلك سيؤدي إلى سقوط نظام مبارك، أو حتى يجبره على التراجع عن إجراءات التجويع المستمرة التي يمارسها ضد الشعب. يبدو أن الإجابة الأكثر واقعية هي بالنفي. ذلك أنه يصعب تصور أن المقاومة السلبية مهما كانت واسعة،  بوسعها وحدها أن تجبر نظاماً يحتكر وسائل القمع على التراجع. وفي كل، فإن الأمر يحتاج إلى حوار واسع بين المهتمين بالتغيير، حتى يمكن البناء على ما سبق لدفع الحركة إلى الأمام.

 

 

 

 

مقال لـغادة طنطاوي


ثلاثة مقالات حول النقابات العمالية

23 مايو 2008

هذه المقالات الثلاثة تناقش الحركة النقابية العمالية في مصر.. ونرجو أن تفتح بابا للحوار حول السؤال المهم المرتبط بتنظيم الطبقة العاملة لنفسها. فبعد أن تحرك العمال وأضربوا، أصبحت هناك ضرورة ملحة للتنظيم والوحدة حتى تنتصر الحركة، هذه هي القضية وهذا هو السؤال

نقلا عن موقع كفاية – زد نت بالعربية

أولا مقال لإلهامي الميرغني:

التعددية النقابية هي الأصل

 

 

 

 

 

 

 

 

 منذ نشأت الطبقة العاملة المصرية وتبلورت بإضراب لفافي السجائر عام 1899 وحتى الآن وهى تخوض غمار المعارك المتواصلة من اجل حياة أفضل. وأهم ما ميز الطبقة العاملة المصرية منذ نشأتها الأولى أنها تبلورت كطبقة عبر انتظامها في تنظيمات نقابية مستقلة عن الحكومة واستخدامها حق الإضراب والاعتصام والتظاهر من اجل الدفاع عن حقوقها.

 وحين تفجرت ثورة الشعب في عام 1919 كانت الطبقة العاملة في طليعة الشعب المصري والكفاح من اجل الجلاء والاستقلال. وظلت الحركة العمالية تنتظم في نقابات وتتوحد النقابات في اتحادات منذ تكوين نقابة الصنائع اليدوية في الحزب الوطني الذي كان يقوده محمد فريد ، وحتى صدر أول قانون لتنظيم النقابات العمالية في عهد وزارة الوفد وهو القانون رقم 85 لسنة 1942 أي أنها ظلت حرة في تحديد شكل نقابتها وتمويلها وشروط عضويتها على مدى ما يقرب من نصف قرن حتى صدر قانون النقابات. ورغم ذلك ظلت الحركة العمالية تناضل من اجل تحسين شروط وظروف عملها حتى جاءت ثورة يوليو 1952 وتوالى الحظر والتقليص على الحركة العمالية وهو ما وصفه النقابي المخضرم “عطية الصيرفي” بعسكرة الحركة النقابية والعمالية.

فالتنظيم النقابي مثل كافة التنظيمات الأخرى هو شكل من الاتحاد الطوعى بين أعضائه من اجل تحقيق أهداف محددة وفى حالة التنظيم النقابي تكون أهدافه هي الحصول على أجور أعلى، وشروط عمل أفضل، وساعات عمل أقل. ومن حق العمال تنظيم أنفسهم دون وصاية من أي جهة كانت وتحديد شروط العضوية والاشتراكات وتحديد أهمية انضوائهم تحت اتحاد على أساس مهني أو سياسي أو جغرافي. ومن الممكن أن يوجد داخل المنشأة الواحدة أكثر من لجنة نقابية. فما الذي يضير في وجود عشرين نقابة داخل المصنع ستكون منهم نقابات حقيقية يلتف حولها العمال وأخرى شكلية لن ينتمي إليها أحد، والأهم من كل ذلك هو إعادة الحياة للحركة النقابية وجعلها أكثر حيوية في الدفاع عن مصالح العمال، والنقابة الأكثر جذرية في مواقفها هي التي سينضم إليها عدد أكبر من العمال ويسددون اشتراكاتها ويحرصون على تطورها.

فالأصل في التنظيم بشكل عام والتنظيم النقابي بشكل خاص هو التعددية، وهى جزء من الديمقراطية التي أساسها التعدد، أما التنظيم الواحد والنقابة الواحدة والاتحاد الواحد فهي مخلفات عهود الاستبداد الذي اختفى من جميع البلدان الديمقراطية.فالتعددية هي الأساس والتوحد الشكلي هو التعبير عن الاستبداد وغياب الديمقراطية.

لقد فرضت الناصرية العديد من القيود على الحركة العمالية وكبلتها بالقوانين والقرارات وفرضت عليها التنظيم الواحد والاتحاد الواحد لأنها من السهل أن توفر 21 شخص من رجالها للسيطرة على النقابات بينما التعددية ستشتت جهودها وقد لا يتوافر لديها العدد الكافي من العملاء والمخبرين للسيطرة على الحركة النقابية. فالاتحاد وفق هذه الرؤية أساسه السيطرة الأمنية والحكومية، وليس وحدة العمال والدفاع عن مصالحهم، والدليل على ذلك هو أن النقابات المتعددة المبعثرة كانت أكثر صدقاً وأكثر جدية في التعبير عن مصالح طبقتها على عكس الوضع الحالي في ظل الاتحاد الشكلي. وإذا تأملنا الفرق بين نقابات أمس واليوم نجد التالي:

  • كانت النقابة تتكون بمجرد أتفاق إرادة عشرة أفراد يكونون الجمعية العمومية ويحددون شروط العضوية، والطبقة العاملة من النضج والوعي بمصالحها بحيث تستطيع أن تفرق بين الغث والثمين.
  • كان مجلس إدارة النقابة ينتخب سنوياً ومن ثم لا يوجد نقابي جاثم على صدر نقابة منذ ربع قرن كما هو الحال في ظل نقابتهم الموحدة.
  • كانت العضوية اختيارية ومن ثم لا ينضم للنقابة سوى المدرك لأهميتها والحريص على التوحد مع زملائه من اجل تحسين الأجور وشروط وظروف العمل أما الآن فالوحدة الإجبارية جعلت العضوية شكلية عديمة الفاعلية.
  • كانت الاشتراكات تسدد بانتظام ويدفعها العمال بإراداتهم الحرة بينما الآن تستقطع إجبارياً من الأجور ليذهب جزء منها للنقابة العامة وجزء للاتحاد العام ولا يتبقى للأنشطة النقابية في المنشأة سوى القليل الذي لا يصلح لتمويل نشاط حقيقي بينما تذهب الاشتراكات المغتصبة وليست المستقطعة لتمويل المصايف في الخارج والسيارات الفارهة التي يركبها النقابين الصفر.
  • كان لكل نقابة مقر تجتمع فيه ويبحث فيه العمال عن مصالحهم ويعقدون أفراحهم واحتفالاتهم، بينما في ظل اتحادهم القسري اقتصرت المقرات على غرفة داخل مقر العمل خاضعة لسيطرة الإدارة والأمن لمواجهة أي توجه لوجود حركة حقيقية تدافع عن مصالح العمال.
  • كما كانت النقابات المتعددة ملزمة بعقد جمعية عمومية سنوية تحاسب مجلس الإدارة عما قدمه من اجل مصالح العمال وقد تسحب منه الثقة وتنتخب مجلس إدارة جديد، أما الآن فلا تعقد الجمعية العمومية سوى كل أربعة سنوات لعقد الانتخابات ولا يحرص العمال على حضورها حيث تكون شكلية بغرض الانتخاب ولا تتم أي محاسبة لأعضاء مجلس الإدارة وقد يصوت الحاضرين على ميزانية لم يعرفوا تفاصيل بنودها فهذه هي الديمقراطية الحالية.
  • كان لكل نقابة محامى يتولى الدفاع عن مصالح العمال في مواجهة تعسف الإدارة وهو ما كان يتيح إقامة دعاوى جماعية مما كان يعطي الحركة العمالية قوة أكبر وفاعلية أعلى.
  • كان هناك تجدد دائم في العضوية وتجدد في الفاعلية وتوالد مستمر في القيادات بينما الآن تغتصب الحقوق العمالية تحت سمع وبصر القيادات النقابية الحكومية التي أصبحت من أصحاب المصالح الخاصة والتي باعت حقوق عمالها من أجل تكريس الثروات والسفريات الخارجية والمصالح الخاصة بعيداً عن الرقابة الحقيقية لجماهير العمال.

لذلك نجد بعض المتبجحين بالدفاع عن البنيان النقابي الاستبدادي حيث تلتقي مصلحة الحكومة التي تريد حركة نقابية محدودة يسهل السيطرة عليها وتوظيف قياداتها واستخدامها لضرب المصالح العمالية ووضعها تحت سيطرة الأجهزة الأمنية مع مصالح مجموعات من النقابيين الصفر وأصحاب الياقات البيضاء ورجال الإدارة المعاديين لمصالح العمال الذين يستنزفون موارد الحركة النقابية ويبددونها من اجل مصالحهم الخاصة وهم لا يجرؤون على الدخول في مواجهة حقيقية مع الحكومة كما حدث عند تطبيق الخصخصة وعند مناقشة قانون العمل، ولأن على رؤوسهم بطحات كثيرة فهم يوافقون دائماً على ما تقترحه  الحكومة رغم إضراره الكامل بمصالح الطبقة التي يدعون تمثيلهم لمصالحها. 

لهذه الأسباب حرصت سلطات الاستبداد على إحكام قبضتها على الحركة النقابية ومصادرة التعددية من اجل إفراغ الحركة العمالية من مضمونها وتمرير كل سياسات الاستغلال والتبعية تحت سمع وبصر هذه الحركة النقابية الكبيرة العدد العديمة الفعالية. وإذا كان عمال مصر يزيد عددهم على 18 مليون عامل فإن الاتحاد الحالي لا تزيد عضويته على 3 مليون عامل أي حوالي 17 % فقط من الحركة العمالية. لقد انتهكت الحقوق العمالية في المدن الصناعية الجديدة وبعض شركات الاستثمار وفى بعض الشركات التي تمت تصفيتها أو بيعها تحت سمع وبصر البنيان النقابي الحالي دون أن يهتز لهم جفن طالما أن بدلاتهم موجودة والوفود والسفريات مستمرة فهم جاهزون للتصويت دائماً ضد مصالح طبقتهم.

إن تعدد المراكز النقابية هو ضرورة لعودة الروح للحركة العمالية وهو الأصل في أي بناء ديمقراطي حقيقي، أما التنظيم النقابي الحالي فهو أبعد ما يكون عن الديمقراطية وهو امتداد لسيطرة الاستبداد السياسي على الحركة النقابية واستمرار لعسكرة الحركة النقابية والعمالية. إن البناء الديمقراطي له ملامح واضحة ومعروفة، أما الديكور الاستبدادي فهو لا يصلح للألفية الجديدة، ولندع ألف زهرة تتفتح، وفى النهاية لا يصح إلا الصحيح.

 

 

ثانيا مقال لصلاح الأنصاري:

التعددية النقابية والاحتكار النقابي

نقلا عن موقع الحوار المتمدن

أثارت قضية التعددية النقابية في الآونة الأخيرة جدلا واسعا في صفوف المهتمين بالشأن النقابي والحركة العمالية، ولم يكن موضوع التعددية موضوع جديد على بساط البحث، بل الموضوع مطروح للنقاش منذ ثلاثين عاما، حينما أطلق شيخ النقابيين عطية الصيرفي دعوته وفكرته حول تعددية المراكز النقابية، والنقاش يتصاعد ويهبط، تشتعل جذوته وتخمد. ولم يكن عطية الصيرفي الوحيد الذي نادى بالتعددية النقابية، بل هناك الكثيرين بعده من الداعمين للفكرة.

وعلى الجانب الآخر , طرح المفكر الإسلامي والنقابي جمال البنا سلسلة من المقالات نشرتها جريدة الشعب وتضمنها كتاب يحمل عنوان “نحو تعددية نقابية دون تفتت أو احتكار” وصدر الكتاب عام 1994 .

والذي حرك الجدل من جديد موجة الإضرابات المتواصلة من ديسمبر 2006.
واختلفت الآراء واختلطت المفاهيم وتم التراشق بالكلمات وتبادل الاتهامات بين كل من أنصار الأحادية النقابية وهم المدافعين عن التنظيم النقابي القائم وبين الفريق الداعم والمؤمن بفكرة التعددية النقابية.

وفى تقديري أن أخطر ما في هذا المشهد هو أننا نلوك الكلمات والمفاهيم الكبيرة.. ذات الدلالات المحددة.. نمضغها كاللبان.. التعددية النقابية.. الحق في التنظيم.. الأحادية النقابية.. وحدة الطبقة العاملة…. كلمات تلوكها الأفواه لا تبلعها ولا تبصقها!

النقطة الثانية في هذا المشهد هو العنف اللغوي – إذا جاز التعبير – والذي يبدو واضحا في نسق مفردات لغة التخاطب والتي جاءت تعبيراتها من أنصار التنظيم النقابي القائم كالتالي:

* التعددية النقابية جريمة في حق الطبقة العاملة والوطن؟!

* التعددية النقابية دعوة مشبوهة تهدد مستقبل العمال؟!

* التعددية النقابية خطيئة؟!

والبعض الآخر يرى أن التعددية النقابية ستؤدى إلى الانقسام في صلب الطبقة العاملة؟!
ويجب طرح صيغة أخرى من خلال الواقع العمالي وعمل برنامج توعوي.

أما أصحاب فكرة التعددية فأنهم لم يقدموا مشروعا متكاملا للتعددية النقابية، إلا أنهم يؤكدون على أن التعددية هي الأصل وهى الأساس من مرجعية تاريخية حول طبيعة التعددية النقابية وتنوعها وانتشارها في بدايات القرن العشرين، فضلا عن أن الحركة العمالية في ظل التعددية قد ساهمت عبر تاريخها النضالي في كل الانتصارات الوطنية قبل ثورة 23 يوليو 1952.

وإذا نظرنا إلى موضوع الجدل من زوايا أخرى نجد من يتحدث من خلال استفسارات وتكهنات واحتمالات لنجاح التعددية. ألا يمكن أن تؤدى التعددية النقابية إلى المنافسة بين النقابات المختلفة على خدمة العمال ورفع مستواهم الاقتصادي والاجتماعي والمهني من خلال تقديم الخدمات والتعليم والتدريب؟ ألا يمكن أن تكفل التعددية ممارسة ديمقراطية أفضل داخل النقابة وتسمح للتقييم المستمر للأداء النقابي؟

جمال البنا يقدم في رؤيته حول التعددية الحاجة إلى وجود نقابتين عموميتين لكل صناعة أو مهنة واحدة على أساس الاندماج الاختياري ما بين مختلف النقابات في الصناعة أو المهنة الواحدة إيمانا بأن فائدة النقابة العامة ستعم على النقابات المنضمة، مؤكدا بعدم التعددية داخل المصنع الواحد، إذ انه لا يستقيم أن تتعدد النقابات داخل المصنع الواحد، خاصة أن المصلحة واحدة للعمال حول مطالبهم الاقتصادية. وإنما في المستويات الأعلى كالنقابات العامة فمن حق اللجان النقابية الانضمام إلى هذه النقابة أو تلك.

وفكرة ” جمال البنا ” تتلخص في القضاء على الاحتكار النقابي فالنقابة العامة بالصورة التي وجدت من 1959 حتى الآن دخيلة على التنظيم النقابي وما كان يمكن للعمال أن يقبلوها لولا الضغط السياسي والدجل الدعائي والشعارات التي لا حقيقة لها، فهي مخلوق حزبي لا نقابي، ووجود نقابتين سيوجد مجالا للعمال للاختيار وسيحطم الاحتكار وسيحمل النقابة على أن تعمل في مناخ المنافسة.

أن فكرة جمال البنا لها وجاهتها من حيث البناء النقابي ولكنه لم يتعرض لصلب الموضوع عن النقابة المناضلة والنقابة الانتهازية. ونعنى بالنقابة المناضلة: النقابة التي تعتنق النضال الطبقي بشكل مبدئي، والنقابة الانتهازية: القائمة على التعاون والوفاق الطبقي.

وهذا هو رأينا في صلب القضية المطروحة:

• النقابة الواحدة والاحتكار النقابي:

عرضت منظمة العمل الدولية وجهة نظرها عن الاحتكار النقابي في واحدة من وثائقها عن الحرية النقابية والمفاوضة الجماعية التي وضعتها لجنة الخبراء في تطبيق الاتفاقيات والتوصيات وألحقت بوثائق الدورة (81) لمؤتمر العمل الدولي – جينيف – يونيو 1994.

عرضت المنظمة تحت عنوان الاحتكار النقابي والتعدد النقابي “أن حق العمال وأصحاب الأعمال في تكوين المنظمات من واقع اختيارهم الخاص يبرز مشكلة الاحتكار النقابي، وتظهر الصعوبة حيث ينص التشريع بشكل مباشر أو غير مباشر على أن لا تؤسس سوى نقابة واحدة لفريق من العمال، ومع أن الواضح أن الاتفاقية (87) لسنة 1948 الخاصة بالحرية النقابية التي تعد معيارا للحريات النقابية لا تجعل من التعددية التزاما أو واجبا.. فإنها تفترض – على الأقل – إمكانية تحقيق التعددية في كل الحالات.

وهناك فرق رئيسي بين الاحتكار النقابي بمقتضى القانون، وبين أن يقوم بمقتضى التجمع الاختياري لمجموعات من العمال دون ضغط من السلطات العامة أو القانون عليهم لأنهم يريدون على سبيل المثال تدعيم وضعهم التفاوضي وتوحيد جهودهم في مواجهة مشكلات تظهر لهم. ولكن الوحدة النقابية التي تفرض عن طريق القانون بصفة مباشرة أو غير مباشرة تعارض صراحة نصوص الاتفاقية.

وبالرغم من كل ذلك، لم تلق هذه الأفكار مجتمعة أي صدى على المستوى القاعدي للعمال، لا بالسلب ولا بالإيجاب، لأن الحوارات لم تتجاوز حدود النخب النقابية والسياسية ونشطاء الحركة العمالية في المراكز الحقوقية. وهذا يعنى أن هناك فجوة في الاتصال مع العمال في مصانعهم حول قضية على درجة كبيرة من الأهمية. وبالتالي يشكل هذا الأمر ارتياحا لدى رافضي فكرة التعددية. ولا يخلو التنوع في الأفكار والحجج عن تناول الموضوع من زاوية حقوقية وديمقراطية. ولا يجادل احد فان الحديث عن الديمقراطية يلتصق بمبدأ التعددية وهو الأمر الذي أفرز تعددية نقابية في المغرب وتونس فضلا عن أوروبا وخاصة تجارب ألمانيا وفرنسا.


• التعدد ليس “التعددية”:

وتجدر في هذا السياق التفرقة بين التعدد والاختلاف كمفاهيم وبين “التعددية” كمصطلح في علم السياسة الليبرالي السائد في الغرب تحديدا. فالتعدد – كمفهوم – يرادف التنوع والتفاوت والاختلاف، في حين أن “لتعددية ” كمصطلح له خلفية تاريخية وفلسفية ترتبط بادراك دور الدولة وطبيعة المواطنة، بل وطبيعة الإنسان وصيغ العقد الاجتماعي وقضاياه ونظامه الاقتصادي.

كما أن لهذه التعددية ملامح مؤسسية ثابتة وتقترن بتطور اقتصادي واجتماعي ومناخ ثقافي يهدف إلى إدارة الصراع الاجتماعي دون مرجعية فكرية واحدة تجمع الأفراد والجماعات، رغم أن التعددية تعبر عن شكل الممارسة الليبرالية الديمقراطية الحزبية، والتعددية الحزبية تحديدا هي احد أنماط التعددية السياسية عامة وليست النمط الأوحد.

والتعددية النقابية من هذا المنطلق هي وسيلة لإدارة الاختلافات وصيانة الحقوق والحريات النقابية وإحدى الأدوات التي تساهم في ضمان المساواة والحرية والتعبير والرقابي على أصحاب الإعمال. ومن هنا فليست التعددية مدخلا للفرقة والانقسام بل على العكس. فقد حققت التعددية كما اشرنا إلى ألمانيا وفرنسا نجاحات على مستوى المطالب الجوهرية للطبقة العاملة من خلال الحوار الوطني واتخاذ المواقف الموحدة تجاه بعض الإحداث. وقد يبدو أن التعددية توحي بالانقسام إلا أن وحدة المواقف لصالح الطبقة العاملة هو الأمر الحاسم.

• وليست مهمة هذه الورقة الخوض في جدل، لكننا نلاحظ مجملا على منحى الجدل ما يلي: أن كلا الفريقين – رغم الخلاف – يرتضى الحزبية وتعددها، لكن المشكلة أن الفريق المؤيد للأحادية النقابية في شكلها وجوهرها الحالي ربط موقفه بالدولة وليس بالمجتمع.

• والحقيقة أن النقابة في مضمونها تقوم على العمل كقيمة وليس على التقارب والتعاون الطبقي أو الوصول لمكانة اجتماعية وسياسية. الجدل السالف كله لا يشتبك مع المضامين لمفهوم التعددية، حيث أن جدل الحرية والتعددية غير منعزلين عن جدل الطبيعة الإنسانية وغير منفصلين عن الحقوق التاريخية للعمال. • فإذا أردنا جدلا فاعلا, فلابد أن يكون حاضرا فيه أصحاب المصلحة في التعددية وهم العمال.

• فماذا يريد العمال؟ العمال أجابوا من خلال مواقفهم النضالية في حركات الإضرابات الأخيرة. أنهم اتخذوا مواقف نضالية تتناسب مع الشروط والظروف الموضوعية، الاقتصادية والاجتماعية، التي يعيشونها. وبتلك المواقف النضالية المناسبة في الوقت المناسب تعتبر ذات أهمية كبيرة بالنسبة للحركة العمالية.

إذن فالعلاقات النضالية هي التي تشكل بيت القصيد لأن العمال الذين يرتبطون بنقابات على أسس غير نضالية سرعان ما يصلون إلى اليأس من النقابة والعمل النقابي وهو ما وصل إليه العمال في احتجاجاتهم الأخيرة. ولان النقابة التي ترتبط بالعمال على أسس انتهازية وبيروقراطية وتعتبر العمال مجرد وسيلة للاستخدام في خدمة أغراض تبغيها النقابة سرعان ما تتكشف للعمال انتهازيتها وتزداد الفجوة بينهم وبالتالي فقدان الثقة فيها.

فنحن أمام مدرستين في العمل النقابي:

1. عمل نقابي انتهازي

2. عمل نقابي مبدئي

المدرسة الأولى هي مدرسة الوفاق والتعاون الطبقي. والمدرسة الثانية هي مدرسة النضال الطبقي.

فيما يخص المدرسة التي تقوم في إطار العمل على تحقيق الوفاق والتعاون الطبقي مع الطبقة المسيطرة، فهذه المدرسة تشكل الإطار الفكري لترويض نضال العمال حتى يظل مجرد عملية تجميلية للنظام وأصحاب الإعمال لا يتجاوز سقف ما تسمح به القواعد المحددة والمتفق عليها سلفا أو السقف المحدد تشريعيا. ولتمرير هذا المفهوم درجت السلطة على ترويج الأفكار الداعية إلى عدم تسييس النقابات، أي إلى فصل النضال الاقتصادي عن النضال السياسي. وفى الانتخابات العمالية الأخيرة عام 2006 كان التحذير من رفع شعارات دينية أو سياسية في الانتخابات العمالية بقرار وزاري.

كل هذه المفاهيم المشوهه والمغالطات العمدية ساهمت في صياغة مفاهيم نقابية غريبة تجد من يدافع عنها، لانه مقابل الدفاع عن هذه الأفكار وبثها وترويجها، فإن مردود مواقع في المجالس النيابية والحزب الحاكم، وخلق ارستقراطية نقابية تحتل التنظيم النقابي بالرغم من الانفصال العضوي بينها وبين العمال.

أما عن مدرسة النضال الطبقي أو النقابة المبدئية: فان من مهامها تجاوز الفصل بين ما هو اقتصادي وما هو سياسي.

ولكن ماذا يعنى تجاوز الفصل بين ما هو سياسي وما هو اقتصادي في الواقع؟ إن الإشكالية هنا ليست في الفصل بينهما في مواقع العمل (لأن نضالات العمال ضد الاستغلال في مواقع العمل هي ذات طابع سياسي متأصل، ولكنها في الانفصام بين الحياة في مواقع العمل وبين بقية مناحي الحياة التي تتطلب مواقف نضالية وانخراط مع القوى الديمقراطية والسياسية والتي تتلاءم مع الشروط الموضوعية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي يعيشها العمال.

ومن المهام الأساسية أيضا، المشاركة في الحملات القومية لمقاومة الاستغلال وبناء جبهة تحالف مع الحركات الاجتماعية الأخرى، وهى بذلك تربط نضالها النقابي اليومي من اجل تحسين شروط الاستغلال بإستراتيجية تحررها من الاستغلال بكافة صوره دون المساس باستقلاليتها وهى مدرسو لا تلتزم الحياد إزاء القضايا الجوهرية للصراع الطبقي، بل تسهم في التصدي لها ومحاولة حلها باعتبارها في ذلك الصراع تربط نضالها الاقتصادي اليومي بالنضال السياسي العام ضد الطبقة المسيطرة.

• أما فيما يتعلق بأن التعددية النقابية تحدث انقسام في صلب الطبقة العاملة، فإن الانقسام الذي سيؤدى لا محال إلى تقسيم صفوف الجماهير في القواعد العمالية إنما تمليه المصلحة الطبقية التي تصبح أمامها قضية الوحدة الشكلية والعضوية الدفترية مسالة ثانوية. فلا يمكن أن نتصور مثلا إذا توافرت كل عوامل التعددية ومكوناتها وأهدافها: فهل من الصحيح أن نتمسك بالوحدة على قاعدة الاحتكار للعمل النقابي بالقانون وبغير القانون؟ وهل نتمسك بالوحدة على أرضية البيروقراطية النقابية وقانونها ومواقفها المعادية للعمال بموافقتهم على الخصخصة والمعاش المبكر وتصفية المصانع .. الخ

• إن وحدانية التنظيم النقابي أو التعددية النقابية ليست مسألة اختيار مطلق، بقدر ما هو اختيار محكوم بجملة من الشروط يجب تقديرها بدقة. فالمهم أن تستمر حركة التطور نحو الوحدة النضالية للعمال في إطار مصالحهم الطبقية من خلال اطر مختلفة تنظم العمال في أشكال يخلقوها ويفرضوها وتكون مشروعيتها ومرجعيتها من الحركة العمالية والنقابية على اتساعها.

 

ثالثا مقال لسامح سعيد عبود:

نهاية نقابة المنشأة

نقلا عن موقع الفسايل

 

تواجه الطبقة العاملة مصريا وعالميا أوضاعا تعوق تطورها وتبلورها كطبقة ذات فاعلية، إلا أن الكثيرين من المعنيين بتحقيق هذا التبلور والفاعلية لا يراعوا هذه المعوقات، ولا يفكروا في حلول لها، فقديما عندما كانت المنشآت الرأسمالية تضم مئات العمال، كان من الطبيعي أن ينمو وعى العمال وتنظيمهم وفعاليتهم، فى صراعهم مع ملاك المنشأة، بادئين من النضال النقابى بالمنشأة، ثم متحدين ومتضامنين بعد ذلك مع عمال المنشئات المجاورة أو التى تمارس نفس النشاط، ثم الدولة ثم العالم على التوالى. إلا أن الوضع الآن قد تغير، واصبحت مسألة تركز قوة العمال فى منشآت كثيفة العمالة تنتمى لعالم قديم لم يعد له وجود الآن.


الوضع الحالى لكثافة العمال فى مصر هو أن منشئات القطاع العام فقط هى التى تتميز بكونها منشئات كبيرة ، تزيد فيها كثافة العمل عن خمسين عامل، يعمل بتلك المنشئات أقل من مليون عامل، وهذا استثناء من الطابع الغالب فى منشئات القطاع الخاص من حيث كون غالبيتها الساحقة هى مؤسسات صغيرة ومتوسطة تتقلص فيها كثافة العمل، وتبلغ فى الصناعة والخدمات أكثر من 99% من المنشئات، و تتجاوز فى الزراعة 99% من الحيازات الزراعية، و توظف هذه المنشآت أكثر من 85 % من العاملين في الوظائف الخاصة خارج القطاع الزراعي، و فى نفس الوقت نلاحظ التضاؤل الحاد لمنشئات القطاع الخاص الكبيرة التى تبلغ 0.2% من المنشئات فى الصناعة والخدمات، وتقل فى الزراعة عن 1% من الحيازات الزراعية حسب إحصائيات 1996 ..و توظف 15% أى حوالى نصف مليون عامل. و هذه المنشئات هى التى يسمح القانون بتشكيل لجان نقابية للعاملين بها. وعمليا فإن العاملين فى هذه المنشئات هم الذين يستطيعوا أن يمارسوا صراعهم فى مواجهة صاحب العمل لتحسين شروط عملهم، ويمكن أن يتكون لديهم وعى طبقى عفوى إنطلاقا من ممارسة الصراع الاقتصادى عبر المنشأة.


المشروعات الصغيرة جدا و الصغيرة والمتوسطة التى توظف من عامل إلى 49 عامل لا تنشأ بها لجان نقابية وفقا للقانون، وإنما يسمح لعمالها بتشكيل لجان إدارية نقابية بالمنشأة تابعة للنقابة العامة أو لجان نقابية عمالية مهنية بالأحياء والمدن والأقاليم تابعة للنقابة العامة تضمهم مع زملائهم فى المهنة أو الصناعة، هذا على المستوى القانونى، أما على المستوى العملى فإن العاملين فى هذه المنشئات لا يستطيعوا أن يمارسوا صراعهم فى مواجهة صاحب العمل لتحسين شروط عملهم، ولا يمكن أن يتكون لديهم وعى طبقى عفوى انطلاقا من ممارسة الصراع الاقتصادى عبر المنشأة. للعديد من الاعتبارات أهمها اعتماد هذه المنشئات غالبا على العمالة المؤقتة والموسمية وبالتالى سهولة استبدالهم بعمال آخرين. و أنهم غالبا ما يكونوا قد وقعوا على استقالات مسبقة من العمل عند التحاقهم بالعمل، وفيما يتعلق بالمنشئات الصغيرة والصغيرة جدا التى يقل عدد عمالها عن عشرة عمال، والتى تبلغ 97.3% من المنشئات فى القطاع الخاص، والتى يعمل فيها ثلاث ملايين عامل بنسبة 77.3% من إجمالى العاملين بالقطاع الخاص وفق احصائيات1996، فإن العلاقة بين العمال و صاحب العمل غالبا ما تتسم بطابع حرفى ينتمى لما قبل الرأسمالية. ومن ثم يصعب على هؤلاء أن يتكون لديهم وعى طبقى عفوى، ولا يمكنهم الانخراط فى الصراع الاقتصادى عبر المنشأة.مما يجعلهم أقرب لوضع عمال الزراعة والمهمشون من حيث صعوبة التنظيم.


العاملين بأجر ليسوا جميعا عمالا بالمعنى الدقيق للكلمة، ومن ثم فهم يشكلون أربع طبقات هى البيروقراطية وموظفوا الحكومة والمهمشين والعمال، وباستثناء البيروقراطيون فإن كل الأجراء أصحاب مصالح مؤكدة فيما يتعلق برفع الأجور وخفض الأسعار وساعات العمل وتحسين سائر شروط العمل والحياة فضلا عن التحرر من نظام العمل المأجور، وهم برغم عددهم الذى يتجاوز العشرين مليون فى مصر، فأنه غير مسموح سوى لربعهم تقريبا بتشكيل نقابات وفقا للقانون، وعمليا فهم محرمون من المنظمات التى تعبر عن مصالحهم وتنظمهم للدفاع عنها، ومن ثم عاجزون عن تحقيق مصالحهم الآنية والمستقبلية نظرا لحالة التفكك التى يعانوها و السابق توضيحها.


لدينا مليون ونصف مليون عامل وخمسة ملايين موظف حكومى فقط هم الذين يمكنهم النضال عبر المنشئات، وتنظيم أنفسهم انطلاقا منها، فماذا عن العاملين بأجر فى القطاع غير الرسمى، والمنشئات المتوسطة والصغيرة فى القطاع الرسمى، وهم يبلغون أكثر من 15 مليون عامل، وإذا كانت النقابة القائمة على أساس المنشأة، صالحة لتنظيم عمالة مستقرة نسبيا فى أعمالها ومهنها وأماكنها، فهل مازالت صالحة لعمالة غير مستقرة، حيث تسود الآن ظاهرة العمل المرن، فلا استقرار للعامل فى عمل أو مهنة أو مكان، كل هذه الظروف لابد أن تدفعنا للتفكير بشكل مختلف، ونحن نسعى لأن تنتظم الطبقة العاملة دفاعا عن مصالحها.


اعتقد أن الواقع نفسه يفرز الأشكال المناسبة للنضال العمالى بعيدا عن الأشكال الشرعية والبيروقراطية، وهو ما نلاحظه فى الواقع المصرى فى أشكال تنظيمية مثل اللجنة التنسيقية للدفاع عن الحقوق والحريات النقابية، وعمال من أجل التغيير، وأطباء بلا حقوق، وحركة المدرسين، وحركة 9 مارس لأساتذة الجامعات، إلا أن الطريق مازال طويلا لكى تتطور هذه الأشكال التنظيمية لما هو أكثر تبلورا، ولكى تتحول من لجان نخبوية قليلة العدد إلى حركة جماهيرية واسعة، ربما يكون تشكيل لجان و مجالس للعمال والموظفين والمهمشين على أسس جغرافية كالأحياء أو المدن أو على أسس مهنية المهندسين أو عمال المحلات التجارية والورش، وهو شكل يتجاوز مرحلة نضال المنشأة و أشكالها التنظيمية لنضال وتنظيم أكثر تطورا، إلا أن الضرورة أصبحت تفرضهما.