تحقيق: داليا موسى
“يا عيني ع اللي الزمان تعبهم.. وضاع تعبهم ومالتقوش.. نزل شبكهم في بحر طامي.. طلع شبكهم على فاشوش”، وكأن الشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم بيوصف بالأبيات دي أحوال 3.5 مليون صياد في بر مصر، المشاكل طحنتهم، بعد ما بقوا واقعين بين حيتان البيزنس ورجال الأعمال، وجبروت الحكومة اللي بتساعدهم.
ورغم أن السمك في مصر مفيش أكتر منه بسبب مساحة الشواطئ الضخمة اللي قربت على 13.5 مليون فدان، لكن عشان الصياد يعرف يعيش وياكل عيش الموضوع مش محتاج بس قارب وشبك، لكن محتاج كمان يكون صاحب سلطة وفلوس. وطبعا لأن معظم صيادين بلدنا غلابة لا عندهم فلوس ولا سلطة ولا غيره، أصبح أكل عيشهم في إيد عدد قليل الحيتان الكبار المحميين من الحكومة ورجالتها.
الزريعة بتتسرق
مشاكل الصيادين في كل مكان واحدة تقريبا، وواحدة من المشاكل الكبيرة اللي بتواجههم هي سرقة الزريعة اللي المفروض تكبر في يوم من الأيام وتبقى أسماك تتحول لرزق لآلاف الصيادين. والمصيبة إن الحرامية اللي بيسرقوها هما الحيتان الكبار أصحاب المزارع السمكية، اللي بياخدوا الزريعة من غير ولا مليم عشان تكبر وتبقى ثروة كبيرة تخليهم قادرين يتحكموا في السوق ويرفعوا الأسعار على مزاجهم.
“الزريعة دي ملك كل الصيادين” ده كان كلام رابح شهاوي، صياد من البرلس، وهو بيشرح المشكلة “مع مرور الوقت البحيرة نشفت من السمك، والرزق بقى قليل، لأن فيه ناس مستوليين على الزريعة وبياخدوها لحسابهم، واللي بياخدوا الزريعة دول مجموعة أفراد مسنودين من أجهزة السلطة (المسطحات المائية والثروة السمكية)، كل ما تكون المسطحات جاية تديهم تليفون.. م الآخر اللي مسيطرين على البوغاز (فتحة متصلة بالبحر المتوسط ومصدر الزريعة في بحيرة البرلس) رجالة الحزب الوطني”. ويضيف صياد تاني “مشكلة الزريعة زادت من 4 سنين، قبل كده كنا بنصدر السمك لإيطاليا، دلوقتي بتوع الزريعة بيكسبوا ملايين كل سنة، والصيادين مش لاقيين ياكلوا، في حين إنه لو الزريعة دي اتسابت حتكون خير كتير لمئات الأسر”. الحرامية دول بيكسبوا كتير أوي لأن حجم مصفة الشاي من الزريعة بتتباع بـ 80 جنيه، واللي بيصطادوه كل يوم براميل كتيره. أما الصياد الغلبان فيادوبك بينوبه كام كيلو سمك عشان يتحصل على 10 أو 15 جنيه على آخر اليوم، و”العيشة بقت غالية.. الكهربا والميه والتليفونات كله بفواتير نار.. اللي عنده بنت عاوز يجهزها يملحها أحسن ويخليها جنبه”، زي ما قال صياد من البرلس وهو بيوصف عيشتهم الصعبة وأحوالهم الضنك.
وواضح إن مشكلة الزريعة منتشرة في كل بحيرات مصر، زي ما بان من تقرير مركز الأرض عن أوضاع الصيادين في بحيرات مصر، فالصيادين في بحيرة إدكو بيقولوا إن هيئة الثروة السمكية بتسمح للصيادين الكبار وأتباعهم من البلطجية بصيد زريعة الأسماك، وده يعتبر مخالفة للقانون وبيدمر الثروة السمكية وأرزاق الصيادين الصغار في البحيرة. التقرير كمان بيقول على لسان الصيادين إن تسهيلات الهيئة بتحصل في منطقة البوغاز بميناء المعدية إللي بيسمح بنمو وتنوع الأسماك في البحيرة، وزي ما بيقول الصيادين فهيئة الثروة السمكية وشرطة المسطحات المائية سابوا الصيادين الكبار وأصحاب المزارع والبلطجية يسيطروا على مداخل ومخارج بحيرة إدكو، وتعمدت إنها متنورش عواميد الكهربا في مينا المعدية عشان تساعد الصيادين المخالفين لطرق الصيد القانونية، سواء بالمعدات أو الشباك أو الطبب، وبكده خلصوا على اللي باقي من الزريعة وأمهات الأسماك.
مشكلة الزريعة موجودة كمان عند صيادين الإسماعيلية، لكن السرقة هناك رسمي، زي ما بيقول الصيادين “مديرين الجمعيات التعاونية بيطلعوا الزريعة لأصحاب المزارع بس، مع العلم بأن الكبشة منها بـ 200 جنيه”.
صيادين الإسماعيلية.. مشاكل بالجملة
عدد الصيادين بمحافظة الإسماعيلية يتراوح بين 7 إلى 8 آلاف صياد، عندهم مشاكل بالجملة. أولها هي مسألة التأمين الحربي في القناة، ودي عملية بتفرضها هيئة القناة وآخرين على البر الغربي، وبتمنع الصيد في مياه القناة فترة مرور السفن الحربية، وده معناه في نهاية المطاف، زي ما بيقول إسماعيل علي، واحد من صيادين الإسماعيلية، “إن فترة الصيد طوال الشهر بتصفصف على 8 أيام، كمان الصيد ممنوع في القناة بعد الساعة أربعة العصر، وبالتالي كل صياد بيصرف على بيته طول أيام الشهر من رزق الأيام دي، وهو رزق قليل بطبيعته بسبب ندرة السمك في القناة عشان التلوث الشديد إللي بتعمله السفن اللي بتمر كل يوم، بالإضافة لحوادث تسرب المواد السامة من بعض الناقلات بمياه القناة”.
ورغم كل المشاكل اللي بتنغص عيشة الصيادين، إلا أن الحكومة مصرة إنها تمص دمهم على الآخر، فرفعت قيمة التأمينات اللي بيدفعوها لما يجددوا الرخصة كل سنة من 12 جنيه إلى 180 جنيه، وطبعاً الصيادين مبيقدروش يدفعوا فبتتراكم عليهم المبالغ دي سنة ورا التانية ومبيعرفوش يجددوا الرخصة، وده بيحطهم تحت رحمة شرطة المسطحات. يعني رضينا بالهم والهم مارضيش بينا لأنه حتى الرخصة ما بتحميش زي ما بيقولوا لأن الصياد لو نجي من بطش شرطة المسطحات هيلاقي غيرها لدرجة إن التحقيق معاهم في كتير من القضايا بيكون أدام النيابة العسكرية، رغم أنهم مدنيين.
وإذا كانت الحكومة بتمص دم الصيادين فمش أقل من إنها تحاول تحافظ على مية القناه من التلوث. وهنا الصيادين عندهم أفكار كتيرة يعني ممكن مثلاً تجبر السفن اللي بتمر على تركيب فلاتر، وفرض غرامات على السفن اللي بتلوث الميه وتحويل عائد الغرامات لصالح الصيادين، بالإضافة لتنمية عملية الصيد في البحيرات المرة، وإنشاء قرى للصيادين في مدينة فايد، وتحويل قوارب الصيادين للنظام الآلي (بمواتير)، وغيرها أفكار كتير ممكن تنقذ حياتهم. لكن زي ما بيقول الصيادين “مين يسمع ومين ينفذ كلامنا .. همه بيسمعوا كلام اللي معاهم فلوس وبس.. أما احنا الغلابة.. مالناش صوت، حتى الجمعية اللي المفروض أنها تمثل الصيادين وتعبر عن مصالحهم مسيطر عليها كبار التجار والأمن هو اللي بيختار أعضاءها .. يعني إحنا مالناش ضهر”.
هم واحد وإيد واحدة
زي ما شفنا مشاكل الصيادين في كل مكان واحدة تقريبا، وزي ما شفنا كمان هما معندهومش أي سند حكومي أو غيره، سندهم الوحيد هو تضامنهم مع بعضهم، مش بس صيادين الإسماعيلية ما بينهم وبين بعض، لكن صيادين الإسماعيلية مع صيادين البرلس وإدكو وغيرهم. ويمكن تكون المبادرة بتاعت صيادين البرلس والإسماعيلية بأنهم يتقابلوا يوم شم النسيم اللي فات ويقعدوا مع بعض يتكلموا عن مشاكلهم وإزاي يحلوها، بداية على طريق الاتحاد بين كل صيادين مصر.
أرقام ومعاني
o عدد الصيادين في مصر 3.5 مليون صياد.
o مساحة المسطحات المائية في مصر تبلغ 13.5 مليون فدان.
o متوسط نصيب الفرد من الإنتاج المحلي من الأسماك 11.98 كيلوجرام.
o يوجد بمصر 11 بحيرة، إدكو، المنزلة، البرلس، مريوط، البردويل، بور فؤاد، قارون، الريان، ناصر، مفيض توشكي، والبحيرات المرة والتمساح .
o انكمشت بحيرة المنزلة من 750 ألف فدان عام 1956 إلى 190 ألف فدان عام 1982 ثم إلى 125 ألف فدان عام 1994.

نشرت بواسطة تضامن