هل تتذكرون هذا الحوار الخالد بين سرحان عبد البصير وحاجب المحكمة في “شاهد ماشفش حاجة”؟
- “إنت بتاخد كام؟”
- “سبعة جنيه في الشهر”
- “بس؟”
- “أيوه”
- “عندك عيال؟”
- “سبعة”
- “في الشهر برضه؟”
يا ترى سرحان عبد البصير كان هيقول إيه لو سمع إن الحكومة هتدينا علاوة 5% (في السنة!)، في حين إن التضخم (الحقيقي مش المفبرك) على الأقل خمس أضعاف النسبة دي! إيفيهات سرحان الساذجة مكانش هيبقى لها طعم مع الحقيقة اللي أغرب من أي إيفيه دي.
طب وإحنا ممكن نتوقع إيه غير كده؟ إذا كانت لجنة الموازنة في مجلس الشعب بيرأسها رجل الأعمال “أحمد عز”، وإذا كانت الوزارة كلها رجال أعمال، والحزب الوطني مسيطر عليه رجال أعمال، والصحف والفضائيات بتاعة رجال أعمال… ممكن نتوقع إنه يحصل إيه؟
وزير المالية قال إن “ميزانية السنة دي ميزانية حرب”. والله يسلم فُمك يا راجل. قلت الحقيقة. لكن السؤال هو: حرب مين ضد مين؟
الميزانية يعني الحكومة بتاخد فلوسها من مين وبتديها لمين. بحسبة بسيطة هنلاقي إن الحكومة هتدي بعض العمال والموظفين 5% (واحتمال أكتر شوية)، لكنها هتاخدها منهم حوالي أربع أضعاف برفع الأسعار والضرايب.
أما رجال الأعمال، فحاجة تانية خالص! الريس قال إننا لازم نقف جنبهم ونساعدهم (بشرط إنهم ما يتفخشروش قوي). شفتوش أجمل من كده؟
على كده بقى الحرب اللي يقصدها يوسف بطرس غالي هي حرب الحكومة عالغلابة.
المثل بيقول “عُض قلبي ولا تعُض رغيفي”. عمال مصر، وكل صاحب أجر فيكي يا مصر، لازم يقفوا عشان ياخدوا حقهم. لازم نفتكر إن اللي خّلى مرتبات الضرايب العقارية تتضاعف كان اعتصام شارع حسين حجازي، وإن اللي إدى أي عامل في مصر جزء من حقوقه كان نضاله ضد الظلم اللي بيعانيه. عشان كده لازم نقول للي نهبها واللي خربها: “انتظرونا تجدوا ما يسُّركم من إضرابات واعتصامات”!
عمال غزل شبين وحزب الله، موظفين الضرائب العقارية وحركة حماس.. يا ترى إيه العلاقة؟ مال العمال والموظفين المصريين بحركات المقاومة العربية؟
الحكومة بتاعتنا بتحاول تقنعنا إن مفيش علاقة، وإن دول ناس بتوع مشاكل، عاوزين يصدروا لمصر المشاكل بتاعتهم؛ الفلسطينيين بيقتحموا الحدود المصرية عشان يعيشوا فيها، وخلية حزب الله عاوزة تعمل أعمال إرهابية في مصر. كلام كتير بيتقال هدفه إن الفقرا المصريين يشوفوا إن الحركات دي عدوة ليهم، وإن فكرة المقاومة نفسها فكرة غلط.
ده اللي الحكومة عاوزانا نصدقه. بس يا ترى الحقيقة إيه؟ الحقيقة إن عمال مصر وفقراءها بيقاوموا الظلم والاستغلال بتاع الحكومة ورجال الأعمال، بالضبط زي ما المقاومة الفلسطينية واللبنانية بتقاوم الاستعمار.
الحقيقة التانية إن الحكومة بتاعتنا ورجال الأعمال علاقتهم قوية جدا بإسرائيل وأمريكا وبينهم مصالح مشتركة، وهات وخد، في نفس الوقت اللي بيحاصروا فيه الفلسطينيين ويجوعوهم.
من الآخر يعني إحنا بنقاوم زي ما حماس بتقاوم وزي ما حزب الله بيقاوم، وأعداءنا بيتعاونوا مع بعض وبيساعدوا بعض. طب تخيلوا لو كل الناس اللي بيقاوموا ساعدوا بعض، الوضع هايبقى إيه؟ أكيد فرص انتصار المقاومة في كل مكان هتزيد.
الأهم من كده إن دور العمال في المقاومة دور أساسي. تخيلوا لو العمال في مصر اتحركوا وقاوموا بقوة، وقدروا إنهم يغيروا النظام ده، ممكن إيه اللي يحصل في المنطقة كلها؟ أكيد حاجات كتير قوي هتتغير، أهمها إن فرص انتصار المقاومة في فلسطين ولبنان هتزيد. شفتوا بقى ليه الحكومة بتاعتنا عاوزانا نكره المقاومة، وشفتوا بقى ليه إحنا لازم كلنا في مصر وفلسطين ولبنان نقاوم؟
بمناسبة عيد العمال، ألقى الرئيس مبارك “خطابا سياسيا مهما”. أهم حاجة في الخطاب “المهم” هي إن مبارك، إلى جانب التلقيح على حزب الله والمطالبة بشد الحزام، أعلن إنه هيبقى فيه علاوة اجتماعية، لكن هو مش عارف كام!
بعديها بكام يوم جت الحكومة بالقرار: 5%. طبعا دش بارد على دماغ العمال والموظفين والمهنيين.
لكن ليه دش بارد؟ فيه ناس بتقول: إزاي يدينا 5% السنة دي بعد ما إدانا 30% السنة اللي فاتت. طيب وإنتوا فاكرين اللي حصل السنة اللي فاتت؟ فاكرين إنه بعد ما إدانا العلاوة إزاي ارتفعت الأسعار واشتغلت الجباية، وكانت مسخرة محدش مصدقها.
الكلام ده ليه معنى. لأنه بيوضح إن أصل المشكلة هي إنه لما العمال والموظفين بيناضلوا عشان يزوّدوا أجور شركتهم أو المصلحة اللي بيشتغلوا فيها، ولما بينتصروا وبياخدوا اللي عايزينه كله، حتى ساعتها النتيجة مش دايما بتبقى في صالحهم! إزاي؟
لأن الأسعار بتزيد والضرايب بتزيد والمكتسبات بتقل. فبتلاقي نفسك خدت 10% زيادة في مرتبك. لكن سعر العيش والزيت والفول وكل حاجة زاد. وكمان بتلاقي التعليم هباب ولازم تدي دروس أكثر لعيالك، والعلاج سعره بيعلى وتكلفته بتزيد، وغيره وغيره.
القربة مخرومة وكل ما نملاها بتفضى. ده بالضبط هو اللي بيدّخل السياسة في الموضوع. لأنه عشان ناخد حقوقنا فعلا لازم مش بس نطالب بزيادة أجر شركتنا لوحدها. لأ، لازم كمان نضمن إن الأسعار متزيدش، ونضمن إن الضرايب متزيدش، ونضمن إن مصاريف الجامعة متزيدش، ونضمن إن التأمين الصحي ميتباعش، وغيره من الحاجات اللي بتاكل من ميزانيتنا.
طيب وإزاي نعمل ده؟ مفيش حل غير إن إحنا نخرج بره سور شركتنا ونبص على ما هو أوسع من مصلحتنا المباشرة الصغيرة. بالبلدي كده، المطلوب هو إن إحنا نرفع مطلب أكبر وأوسع من مطلب رفع الحافز في شركة كذا أو كيت. مطلوب إن إحنا نعمل “برنامج” محدد وقصير نطالب فيه إن الأجور تزيد بنسبة كذا، لكن بشرط إن الأسعار تفضل ثابتة، أو إنه لما تزيد الأسعار تزيد الأجور بنفس النسبة؛ كمان نطالب بأن الخدمات الاجتماعية (تعليم، صحة، مواصلات، وغيره) تفضل تكاليفها ثابتة ومستواها ثابت.
هي دي بالضبط السياسة، إن إنت تعرف إنه مش كفاية تطالب إدارة مصنعك بمطالب تخص مصنعك بس. إنك تفهم إنه لازم تطالب “حكومتك” بمطالب تخص “الشعب كله”، وتفهم إن المطالبة دي مهياش رفاهية أو تدخل فيما لا يعنيك، وإنما هي الطريقة الوحيدة لتحقيق مصلحتك المباشرة.
اللي بيحكمونا ناس مش بتهرج. الناس دي مش شغالة بالقطّاعي. الناس دي بتقعد على ترابيزة واحدة تدرس الوضع في البلد كلها. فلما بتلاقي مصنع ورا مصنع بيزود أجور العمال تحت ضغط الإضرابات، بتروح مخططة لزيادة الأسعار ونهب الفلوس من تاني.
إذا كانت الناس دي بتخطط وشغالة بشكل منظم وجماعي وعلى مستوى البلد كلها، فإحنا عمرنا ما هنجيب حقنا بالقطاعي بس. القطاعي بداية رائعة. إضرابات المطالب الجزئية ضرورية وهي أصل كل حاجة. إحنا ما بنقولش لأ. لكن هي برضه خطوة على الطريق. والخطوة التانية هي تجميع الأجزاء وتوحيد الصورة والبنا على اللي فات.
يا سلام كده لو شفنا عمال شركة ورا شركة، وموظفي هيئة ورا هيئة، انضموا لبعض وكونوا حركة واحدة رفعت مطالب واحدة. تخيلوا التأثير. تخيلوا الرعب في عيون اللي قاعدين يخططوا لخطف العلاوة وأي زيادة في الأجور.
المشكلة يا جماعة مش بس في إن العلاوة السنة دي قليلة. المشكلة كمان هي إن كل وأي علاوة هتتنهب لو ما اتحركناش بشكل أوسع وأكبر، خصوصا اليومين دول لأن الأزمة الاقتصادية هتخلي الدولة تسن أسنانها ويوسف بطرس غالي “يقدح زناد فكره” لابتكار خطط لشفط اللي في جيوبنا.
عشان كده تعالوا بينا نفكر في طريقة نشتغل بيها “على الواسع”. تعالوا بينا ناخد خطوة تانية لقدام.