حزب العمال .. يا ترى آن الأوان؟

15 أكتوبر 2009

P-10

مسألة تنظيم الطبقة العاملة عموما شغلت بال ناس كتيرة، سواء من العمال نفسهم أو من الحركة الأوسع المتضامنة مع حركتهم. ومن داخل مسألة التنظيم تظهر فكرة التمثيل السياسي للعمال في شكل حزب، باعتبار العمال إحدى القوى الاجتماعية الرئيسية والمؤثرة في حياة أي مجتمع. أهمية فكرة حزب سياسي للطبقة العاملة جاية من الصعود في الحركة العمالية في السنين اللي فاتوا واللي خلت ناس كتير تتكلم عن العمال ودورهم في تغيير مصر. فيه ناس شايفة إن العمال هما القيادة لأي تغيير حقيقي ممكن يحصل في مصر مش مجرد تغيير أشخاص، فيه ناس تانية شايفة إن العمال دورهم بس شوية ضغط عشان نعمل شوية إصلاحات ويفضل النظام زي ما هو. الاختلاف ده عكس نفسه في تصور فكرة التنظيم أو الجهاز السياسي اللي ها ينظم دور العمال في التغيير المنتظر.

 

“اللي بنى مصر” حاورت عددا من القيادات العمالية اللي ظهروا كقيادة للحركة في السنوات القليلة اللي فاتت، بالإضافة إلى عدد من النشطاء والسياسيين المهتمين بالطبقة العاملة، لفتح مناقشة جادة وعميقة حول فكرة الحزب العمالي. هل يا ترى هو ضرورة ولا لأ؟ وإذا كانت الإجابة نعم، إيه هي الطريقة الصح لبناه؟ وأيه هي السياسة اللي المفروض يدافع عنها؟

هل حزب العمال مهم؟

“أيوه.. لأننا مخنوقين.. ولأن العامل هو نفسه اللي بيحس بمشكلة العامل اللي زيه”، ده كان رأي كريمة فرج، العاملة بشركة تليمصر وممثل اتحاد المساهمين عن العاملين، لما سألناها عن رأيها في فكرة الحزب. واتفق معاها معظم القيادات العمالية، زي  محمد عبد المنصف، القيادي ورئيس اللجنة النقابية بمصنع أسمنت طره، اللي قال “الحزب هو أمل العمال في وجود منبر ليهم، يتكلم بأسمهم ومش بأسمهم بس، ده بإسم الشعب كله”. وأيده في الفكرة دي طارق مصطفى، واحد من الموظفين القياديين في الضرائب العقارية، اللي قال”محدش ها يقدر يدافع عن حقوق العمال في مواجهة أصحاب العمل بشكل حقيقي غير لو كان فيه حزب بيعبر عن طموحات وآمال الطبقة العاملة”. لكن في الوقت نفسه طارق شايف إن “الوقت مش مناسب دلوقتي للدعوة لإنشاء الحزب ده، فالشعب المصري بشكل عام بعيد عن الأحزاب والمشاركة السياسية”. وبرر طارق ده بأنه “لازم قبل كده نعمل شوية خطوات، فالإضرابات والاعتصامات اللي بتحصل دلوقت ها تعلم الطبقة العاملة إزاي تاخد حقها بإيدها من غير ما حد ينوب عنها، بعد كده هتبدأ تفكر في طريقة تنظم بيها نضالها”. أما كمال عباس، مدير دار الخدمات النقابية، فبص للموضوع من ناحية إن كل قوة اجتماعية من حقها تكوين حزب يمثلها “والطبقة العاملة مش استثناء”. أما عمال القطاع الخاص، زي ما عبر عنهم إبراهيم عثمان، رئيس اللجنة النقابية للشركة الصناعية للتنمية الاقتصادية (المصبغة) بمدينة العاشر من رمضان، هما كمان مع وجود حزب للعمال علشان “يدافع عن حقوق العمال المهددة ويرجعها”. النشطاء كمان أيدوا الفكرة زي ما قال مصطفى بسيوني، الصحفي الاشتراكي، “الحزب العمالي اللي يحقق أحلام العمال وينتزع حقوقهم من أيدين مستغليهم ضرورة لا غنى عنها”. وكان رأي خالد علي، المحامي والنشاط الحقوقي، مؤيد للفكرة وأكد إن  “المخطط الطموح ده .. طال انتظاره ومش لازم نتأخر أكتر من كده في تنفيذه”.

حزب للعمال بس؟

هل معنى إن اسمه حزب العمال أن عضويته تكون بس لعمال المصانع؟ مش بالضرورة، والكلام لمحمد عبد المنصف، “عضويته مش بس هتتوقف على عمال المصانع، دي هتمتد لكل اللي بيكسب لقمة عيشه من شغل إيده زي الفلاح والسباك والنجار وكل المهنيين، كمان عضويته تكون مفتوحة للعاطلين اللي ما عندهمش شغل لسه، لأن قعدتهم من غير شغل مش بإيدهم، وتكون أهم أولويات الحزب ده إيجاد فرص عمل ليهم”. مصطفى بسيوني رأيه برضه أن عضوية الحزب متكونش بس للعمال في المصانع لأن “الطبقة العاملة هي الطبقة الرئيسية المهتمة بحقوق كل الفئات المهمشة والمضطهدة، وبالتالي عضوية حزبهم ستتوسع علشان تشمل المهمشين والمهنيين والفلاحين وكل من يهمه انتزاع حقه”. أما المهندس إيهاب شلبي، القيادي بشركة غزل شبين، فرفض من الأصل اقتصار عضوية الحزب على العمال فقط، ووصف الفكرة بـ”العنصرية” وأن ده يفتح الباب لكل فئة أو طائفة علشان تعمل أحزابها “يعني يبقى الدكاترة تعملها حزب والمسيحيين حزب والإخوان حزب”، مشيرا إلى أننا نحتاج إلى “حزب لكل الفقراء”.

ومن زاوية الأفكار السياسية، قال محمد عبد المنصف إن “العضوية في الحزب لازم تكون بتعبر عن انتماء وولاء كامل للقضية العمالية وغير مرتبطة بأي برنامج آخر.. إخوانى أو اشتراكي”. وتحفظ كمال الفيومي على عضوية الإخوان المسلمين خصوصا، وفسر ده بأنه “على طول نضالاتنا الأخيرة الإخوان أثبتولنا إن إحنا في وادي وهما في وادي تاني، على سبيل المثال في الوقت اللي كان عمال مصر وعلى رأسهم عمال المحلة يوم 5 أبريل 2008  بيحضروا لإضرابهم و بيحشدوا التأييد من كل القطاعات في البلد ومن كل المصريين، كان الإخوان مش مهتمين إطلاقا وكأن الموضوع لا يعنيهم ولا يمت ليهم بصله، بس لو أفراد من الإخوان حابين يحطوا إيدهم معانا في الحزب بانتماء عمالي وبتحيز حقيقي للقضية العمالية فأهلا وسهلا، أما لو كانت عضويتهم بتعبر عن أجندة إخوانية داخل الحزب، فلن نسمح به إطلاقا”.

كيف نبني الحزب؟

هناك طرق مختلفة بتتولد بيها الأحزاب، بعضها بيتولد في مقرات على إيد نخبة، بتحاول تكسب الشرعية من خلال اعتراف الدولة بيها، والبعض التاني بتعمله الناس بأيدها، وتفرض شرعيته من قوتها وكفاحها. كمال عباس كان ضد الطريقة اللي وصفها بغير الجادة في تكوين حزب العمال، وشرح ده بقوله “إذا كان تكوينه عن طريق أن مجموعة تسمي نفسها قيادات عمالية تقعد مع بعض وتعلن الحزب فده مش مقبول”. وأكد أن الحزب لازم يتأسس “من خلال حركة عمالية قوية، خاصة في القطاع الخاص، بما أن العمالة تقلصت بشكل كبير في القطاع العام نتيجة للخصخصة والتوقف عن التعيينات.. عمال القطاع الخاص هما القسم من الطبقة العاملة اللي بيتعرض أكتر من غيره للاضطهاد والتعسف والظلم الرأسمالي، بيشتغلوا أكتر من 12 ساعة في اليوم بدون نقابات أو تأمينات، وبيجبروا على توقيع استمارة 6  ووصولات أمانة قبل ما يبدأوا الشغل لضمان تسكيتهم عن طلب حقوقهم، ومع ذلك مبيقفوش لحظة عن النضال علشان ياخدوا مطالبهم رغم عدم وعيهم بأنهم طبقة، خاصة وأن متوسط أعمارهم يتراوح بين 20 و30 سنة، على عكس عمال القطاع العام الأكبر سنا، علشان كده أنا شايف الأمل فيهم”. أما كمال الفيومي فرأيه أن الحزب “لازم يبدأ بتكوين رابطة أو ائتلاف يوحد كل عمال مصر أولا حول مطالب محددة هي حد أدنى للأجور1200 جنيه، الوقف الفوري للخصخصة، الحق في إنشاء نقابات مستقلة تعبر عن رأى العمال وتدافع عن مصالحهم، وبعد توحيد العمال على المطالب دي نكون منها النواة، وعلى أساس نجاح مجموعة من النضالات والانتصارات أمام النظام نعلن حزب العمال بلا أدنى انتظار من الدولة أنها تعترف بيه”. في رأى خالد على أنه من الأفضل أن “يكون إشهار هذا الحزب من خلال إطار قانوني يسمح للعمال بالمشاركة في العمل السياسي بقوة وحتى أعلى مستويات السلطة”، إلا أنه توقع رد فعل عنيف من جانب النظام ورفض من لجنة الأحزاب. وأيده كمال عباس في النقطة دي، وأضاف أن القانون المصري بيمنع تأسيس الأحزاب على أساس طبقي، وإن المعنى الوحيد للتقدم بحزب للعمال للجنة الأحزاب، هو الرغبة في نيل الرفض، وحتى لو القانون ده ما كنش موجود. فاللجنة دي مش بتقبل إلا  الأحزاب اللي على مقاس السلطة، مش المعبرة عن الناس. إلا أن كمال الفيومي أكد أن معركة العمال في انتزاع حقهم مش هاتقف أدام أي عقبات هيحطها النظام أدامهم.

ما قصدناش وما نقدرش نناقش موضوع بأهمية وحيوية حزب العمال في مصر في المساحة الصغيرة دي، إنما قصدنا بس فتح باب الحوار، وطرح القضية للمناقشة بين كل الاتجاهات، إذا كان الهدف المشترك هو دعم ودفع حركة الطبقة العاملة في مصر، وفي نفس الوقت الاستماع إليها والاستفادة من خبراتها.

محمد عاطف