شهادة حية عن انتفاضة البرلس في 7 يونيو الماضي

البرلس .. الاحساس بثورة الجياع

كتب عصفور الطريق

 
تبدأ الأحداث بعد قرار المحافظ بإلغاء حصة الدقيق المدعم المخصصة لسكان البرلس. بعد صبر ثلاث أسابيع أمام أبواب المجلس المحلي، بدأ الناس بالتجمهر في يوم السبت 7 يونيو أسفل الطريق الدولي وفي أقل من ساعة تجمعت ست أو سبع عربات أمن مركزي وصدرت إشارة من مديرية أمن الدقهلية بتجميع الفائض الأمني من المدن المجاورة وبدأ الأمن في إلقاء القنابل المسيلة للدموع على الناس، الأمر الذي أشعل الغضب في صدور الجوعى مع ظهور الاصابات والدماء وتفاقم الاحساس بالاختناق. عندها هجم أهالي البرلس على جنود الأمن المركزي ليبعدوهم عنهم وقاموا باحتلال الطريق وبدؤا بإحضار أي شيئ يمكن استخدامه لصنع الحواجز، الأخشاب والعروق والأحجار والمراكب والأهم من هذا كله البشر الواقفين أمام الحواجز أصلب من الحديد…وكمان مدركين أن عساكر الأمن المركزي هم أولادهم في الجيش.
ويقوم أبناء البرلس بالاتصال بمحمد النحاس، أمين التثقيف بحزب الكرامة تحت التأسيس، مع بدء انسحاب عربات الأمن المركزي أمتارا إلى الوراء. ومع بدء مصفحات وعربات الأمن المركزي تحركت مجموعة من الناس باتجاه الجانب الآخر من الطريق لكي يحولوا دون حصار قوات الأمن لهم. وتعالي صوت النساء بالهتاف: ” لا دقيق.. لا طريق”. بدأت قوات الأمن بإطلاق الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي والخرطوش. أصيب نادر في وجهه وذراعه وبطنه فأخذ من المعركة محمولا إلى أحد منازل القرية. ومع بدء حلول الظلام ازدادت ضراوة البطش الأمني على المجموعتين في وقت واحد. قامت مصادمات عنيفة ما بين أهالي البرلس، الأمهات والبنات والآباء والأولاد من جانب، وعساكر الأمن المركزي – الذين يعلمون علم اليقين أن من يعارض الحكومة فهو عدو البلد ولازم يتأدب – من جانب آخر. أدى العنف الأمني إلى استفزاز الأهالي، وخاصة الأطفال والشباب من بينهم، حيث قاموا بإنزال اليافطات المكتوب عليها “نعم لمبارك” و “مبارك .. مدى الحياة” التي تزين بيوت أعضاء الحزب الوطني وتؤيد استمرار رئيس يترك شعبه بلا ماء وبلا دقيق، فقاموا بتكسير اليافطة الخشبية بينما ضربوا بالأقدام اليافطة الحديدية

 
كانت هذه هي المرة الثانية التي يقوم فيها أهالي البرلس بقطع الطريق الدولي. المرة الأولى سميت بثورة العطش وحينها قام الأهالي بقطع الطريق طوال النهار وحتى وصول خزانات المياه بعد صبر دام أسابيع على انقطاعها عن القرية.
وفي الساعة الحادي عشر والنصف صدرت أوامر المحافظ أحمد زكي عابدين “بالطحن”، بعد مفاوضات استمرت لساعات مع النائب حمدين صباحي توصلوا في ختامها إلى صرف 7500 كيلو دقيق. وبعد أقل من ربع ساعة على بيان المحافظ، شاهدنا مصفحة وعربة أمن مركزي تنحرف يسارا وتزيد من سرعتها لتخترق الحواجز المنصوبة، وسط هلع الأهالي من التصعيد الأمني غير المبرر بالنظر إلى قرار المحافظ. تفرقت إحدى المجموعتين أمام خطر الموت الداهم. ومع “شدة الرفامل” فتحت الأبواب الخلفية للمصفحة ونزل من العربة بعض من ضباط أمن الدولة والعساكر وفرقة كاراتيه. وكان أول ما فعله هؤلاء الوافدين هو إلقاء قنابل مسيلة للدموع، اندفعت إحداهم داخل شقة، وإطلاق رصاص مطاطي وخرطوش يستهدف الشوارع الضيقة للقرية. ومن ثم بدأت فرقة الكاراتيه بمطاردة الناس الهاربة واقتحمت أحد البيوت وكسرت ذراع صاحبه، عز الدين علي شاهين، وضربت أخيه الأصغر بشومة على رأسه. كل هذا فضلا عن ضرب الأم وبناتها أثناء محاولتهم التصدي للاقتحام الأمني في حوش البيت وقيامهم باختطاف السيد ياسين، ابن خالة صاحب البيت. لم تفرق فرقة الكاراتيه بين رجل وامرأة وشيخ وطفل في التعامل

 
وصل الناس إلى خلاصة مفادها، “يا روح ما بعدك روح..ولادنا حتموت على إيدين الحكومة”. أعادت الصفوف الخلفية تنظيم نفسها بحيث أمسك الجميع إما بشومة أو طوبة أو ماسورة. أمسكنا بأحد السافحين لكن صوت اقدام فرقة الكاراتيه فضلا عن صوت الرصاص الحي جعلنا نتركه ليهرب مع مصفحته. تبين بعد ذلك أن المصفحة كانت قد أدت مهمتها باختطاف عزيزة الحامل وتحركت لتستمر بتمشيط منطقة أخرى من القرية، بإلقاء القبض على الأطفال، فقد صرح المحافظ بأن وراء ما يحدث في البرلس “شوية عيال” – قال هذا بدلا من القول بأنهم قلة مندسة

في خضام ذلك، اختفت زميلتي، التي ذهبت معي إلى البرلس، وظننا أنه قد تم اختطافها، لكن اتضح بعد فترة ارتباك أن أحد الأسر قامت باستضافتها في منزلهم خوفا عليها مما يمكن أن يحدث. وفي وسط استمرار المداهمات بهدف إلقاء القبض العشوائي والجماعي على أهالي البرلس، قام أحد أعضاء الحزب الوطني بطرد بعض الأهالي الذين ذهبوا ليستجيروا به من أمام بيته

الحاج أبو حمادة: “إحنا بلد غير زراعية بنعتمد على العيش في 70% من الأكل. كانت حصة الدقيق ما بتكفيش وكنا بنجيب شيكارة من السوق السوداء ب 23 أو 25 جنيه إلى جانب الحصة المدعومة. أما يمنعوها يبقى عايزينا نموت من الجوع، خاصة إن قرار إلغاء الحصة تصادف مع فترة منع الصيد. وكمان وعدونا بنص جنيه عيش (يعني 10 أرغفة ) لكل أسرة تتحصل على البطايق من الساعة 2,30 أو 3,30 بالليل، يعني اللي عايز عيش بلاش يصلي الفجر”.

يصف الحاج حمادة قرار مضاعفة سعر الغلة بخطة لتجويع شعب البرلس ويتضح من كلامه أنه لم يتم تعديل حصة دقيق البرلس من عام 1960 وأنه منذ ذلك الوقت والأهالي صابرين ويقومون بتفريغ اختناقهم من ضيق الحال في البحر ويمنون أبنائهم بتغير الحال.
الحاج: “تعرف يا ابني حتى ملف المية موجود في مكتب المحافظ وفي المجلس المحلي وفي أيدي نواب مجلس الشعب من ثلاثين سنة ولم يتغير شيئ. المية بتيجي يومين بس في الأسبوع. وفي مرة انقطعت المية لمدة 20 يوم، كنا بنموت من العطش فقالولنا اشربوا من البحر. طلعنا على الطريق الدولي علشان نموت هناك، فجت المية والدنيا بقت زي الفل. الناس هنا طيبين وغلابة بس محرومين من أبسط حقوقهم ومحدش سامع، خلاص طالما الطريق الدولي هيجيب حقوقنا يبقى حنموت عليه”.
أثناء كلامي مع الحاج حمادة سمعت صوت أعيرة نارية وصراخ الأهالي. وبعد ذلك بلحظات جاء إلينا إبراهيم، صاحب كافيتريا في وسط برج البرلس وأخبرنا بأن العميد محمد جمال منصور (من البحيرة) طلب من الناس الاجتماع في الجامع وتساءل، “لماذا إذا أمر العساكر بإلإلقاء القنابل المسيلة للدموع وضرب الخراطيش؟”. أكد ابراهيم على رفض أحد العساكر ضرب الخرطوش على الناس، الأمر الذي جعل العميد يقوم بإطلاق أول خرطوشة بنفسه

 
تعالت أصوات الناس: – بحسب ابراهيم – : “ليه كدة؟ حرام”.
رد العميد: “لو مش في الجامع، كنت ولعت فيهم. دول شوية حثالة”.
أحد الأهالي: “يا بيه العيش غالي علينا وياريته بيوصل قبل 3 الصبح”.
العميد: “وهو إحنا قلنا للصيادين السمك السمك غالي ليه. إحنا حنعلمكم الأدب”

ومضت ليلة مرعبة في إحدى قرى مصر. وبدأ توزيع العيش بعد الساعة الثالثة صباحا مع مواصلة الحملات الأمنية…
وبعد النوم في الرابعة صباحا خوفا من المداهمات الأمنية، صحونا في الثامنة صباحا على مكالمات صحفية وذهبنا إلى أحد المقاهي فوجدنا أمين أمن دولة اسمه وائل يحاول إقناع الأهالي بأن هدف قوات الأمن في الليلة الماضية لم يكن سوى تأمين الأهالي وليس إلا.
وتولى أحد أهالي البرلس (عضو حزب الكرامة تحت التأسيس) الرد عليه قائلا: يا أشتاذ وائل مش إحنا من تلات أسابيع بنروح على ايديكم للمحافظ وبنقول لسيادة فخامته إن منع شيكارة الدقيق يعتبر أكبر جريمة في حق صياد البرلس. الكلام ده كان قدام أكتر من ألف مواطن. وكان رد المحافط أنه سوف يستثني البرلس من قرار منع الدقيق. المنع حصل ورحنا للمجلس المحلي وكدنا نسجد لهم دون شفاعة من أحد على مدار أكثر من 20 يوم. الناس ما اتحركتش غير بعد مالجوع قطع بطونهم

التقط أحد الحضور خيط الحديث وقال: يا عم وائل يا حكومة أنا راجل شقتي كلها أودة وصالة واترمت علي قنبلة وأنا قاعد وسط عيالي. كنا كلنا حنموت. إنتو حرام عليكم تعتبروا نفسكو حكومة إنتو جزارين أو سفاحين. وفر على نفسك الكدب. مش هية دي حكومة شرم الشيخ، ونفس الحكومة اللي سحلت المحلة. مش هي برضه نفس الحكومة اللي فتحت المية بعد قطع الطريق.. كانوا فين من 28 سنة

 
مطالب أهالي البرلس: 
1- أن يعود الدقيق لسعر 10 جنيهات للشيكارة ال 10 كيلو
2- أن تقوم الحكومة بإعادة الاعتبار للبيوت التي تمت مداهمتها
3- الافراج عن كافة المعتقلين
4- فك الحصار الارهابي على قرية البرلس

 

للدخول إلى الصفحة الرئيسية

رد واحد إلى “شهادة حية عن انتفاضة البرلس في 7 يونيو الماضي”

  1. El-Boroloss Intifada إنتفاضة البرلس at 3arabawy يقول:

    [...] El-Boroloss Intifada… [...]

اترك رد